في ساعاتٍ مبكرة من صباح أمس، جلست آلاء أبو دية تحمل طفلتها بين مقاعد اكتظّت بالنساء اللواتي اصطحبن أطفالهن لتلقي التطعيم، داخل مركز الدرج للرعاية الأولية بمدينة غزة، في اليوم الأول لانطلاق الحملة الاستدراكية لبرنامج التطعيم الوطني، التي تنفذها وزارة الصحة، وتستهدف الأطفال من عمر يوم حتى ثلاث سنوات.
وتستمر الحملة لمدة عشرة أيام، مستهدفةً نحو 170 ألف طفل، في محاولة للوصول إلى الأطفال الذين حُرموا من التطعيم خلال الحرب، نتيجة النزوح المتكرر وخروج عدد كبير من مراكز الرعاية الصحية عن الخدمة.
ولم تمنع أجواء المنخفض الجوي وتساقط الأمطار النساء من التوافد إلى المركز، الذي شهد إقبالًا واسعًا، في ظل إدراك الأمهات لأهمية التطعيمات في تعزيز مناعة الأطفال، وبناء جدار وقاية في مواجهة الفيروسات والأمراض المنتشرة في قطاع غزة، لا سيما مع تفشي الملوثات والصرف الصحي، وانعدام مقومات الحياة الآمنة داخل الخيام ومراكز الإيواء.
قلق دائم
وبدت أبو دية مطمئنة عقب تطعيم طفلتها، وقالت لـ "فلسطين أون لاين": «منذ خمسة أشهر لم تتلقَّ طفلتي أي تطعيم، والآن أصبحت بعمر عام كامل. كنت أقلق عليها دائمًا من الأمراض، وبسبب غياب التطعيم أصيبت بالإنفلونزا ولازمت الفراش أسبوعًا كاملًا مع ارتفاع شديد في درجة الحرارة. التطعيم هو ما يجعل الطفل محميًا».

وعلى مقعد انتظار داخل خيمة التطعيم المقامة في ساحة المركز، جلست والدة الرضيع عادل غباين (شهران)، التي خرجت بطفلها من المنزل لأول مرة خشية إصابته بعدوى، في ظل عدم تلقيه أي لقاح. وتحكي لـ "فلسطين أون لاين" قبل دخولها غرفة التطعيم: «كنت أعزله عن أي شخص مصاب بالإنفلونزا داخل العائلة لحمايته، وكنت أخشى انتشار الفيروسات بسبب الصرف الصحي والبيئة الملوثة التي نعيش فيها، لكن بعد التطعيم أشعر بأمان أكبر».
أما والدة الرضيعة ريماس عثمان (شهران)، فكانت تحمل طفلتها التي وُلدت خلال الحرب بوزن كيلوغرام و700 غرام، نتيجة المجاعة وسوء التغذية. وتمثل لها حملة التطعيم أهمية بالغة في حماية طفلتها وتعزيز مناعتها، وتقول: «وُلدت طفلتي في ظروف قاسية من نزوح وتشرد ومجاعة وقصف. كانت حالتها الصحية صعبة، لكن وزنها بدأ بالتحسن، وبصعوبة أوفّر لها الحليب الصناعي، لذلك أعتمد على الرضاعة الطبيعية».
وبشكل مبكر، حضرت والدة الرضيعة سنادي أحمد البحطيطي (شهران) لتطعيم طفلتها، نظرًا لعيشها داخل مخيم إيواء، وتأثير البيئة المحيطة سلبًا على صحة الأطفال، في محاولة لتوفير حماية أكبر لها.
وفي زاوية من الخيمة المخصصة للتطعيم، كانت الحكيمة جملات المجدلاوي تُعطي الأطفال اللقاحات، موضحةً لصحيفة «فلسطين» أنه يتم استقبال الطفل وأخذ بياناته، والتأكد من وضعه الصحي قبل إعطائه التطعيم، والتحقق من عدم وجود أي مشكلات صحية. وأشارت إلى أن الحملة تشمل خمسة تطعيمات تغطي 12 مرضًا معديًا، ويُشترط أن يكون الطفل بحالة صحية جيدة، دون ارتفاع في درجة الحرارة، حيث يتلقى ثلاث حقن ونوعين من القطرات الفموية.
خط الدفاع الأول
من جانبه، أكد مدير صحة منطقة غزة في وزارة الصحة، د.طارق دردس، أن الحملة تُعد استكمالًا لبرنامج التطعيم الوطني المعمول به داخل مراكز الرعاية الصحية، إلا أن ظروف الحرب والنزوح المستمر، إضافة إلى تدمير عدد كبير من المراكز، حالت دون وصول المواطنين إلى خدمات التطعيم.

وأشار دردس إلى أن هذه الحملة الاستدراكية هي الثانية، بعد حملة أولى نُفذت قبل ثلاثة أشهر، وتهدف إلى الوصول إلى جميع الأطفال الذين لم يتلقوا اللقاحات خلال فترة الحرب.
وشدد على أن التطعيمات تمثل خط الدفاع الأول ضد الأمراض، والحصن الأساسي في مواجهة الأوبئة، داعيًا الأمهات في مدينة غزة إلى التوجه إلى 25 نقطة ومركزًا طبيًا خُصصت للتطعيم، إضافة إلى 16 مركزًا ونقطة طبية في شمال القطاع.
بدوره، أكد رئيس قسم التطعيمات بوزارة الصحة، يوسف اليعقوبي، أن الحملة تستهدف 170 ألف طفل من عمر يوم حتى ثلاث سنوات، باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة والأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية. ولفت إلى أن الحرب أثرت بشكل كبير على برنامج التطعيم، حيث أدى تدمير المراكز الصحية في بدايتها إلى انخفاض نسبة التغطية إلى 40%، مقارنة بـ99% قبل الحرب، وهي من أعلى النسب عالميًا.
وأوضح اليعقوبي لـ "فلسطين أون لاين" أنه بعد حالة الاستقرار النسبي واتفاق التهدئة، ارتفعت نسبة التغطية إلى 85%. وتشمل الحملة جميع التطعيمات المدرجة في جدول التطعيم الفلسطيني، وتغطي 12 مرضًا، من بينها السل الرئوي، وشلل الأطفال، والسعال الديكي، والحصبة، والحصبة الألمانية.
وأضاف أن الحملة تضم فرقًا متحركة، ويجري تنفيذها عبر 140 نقطة تطعيم منتشرة في مختلف أنحاء القطاع.
وأكد في ختام حديثه أهمية التطعيم باعتباره جدار الحماية الأول ضد الأوبئة، خاصة في ظل بيئة ما بعد الحرب، وتراجع الخدمات الصحية، وانتشار الصرف الصحي، وغياب البيئة الآمنة للأطفال.

