قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون العربية من مصر طلعت طه، إن الوضع الإنساني في قطاع غزة بلغ "مرحلة مأساوية بكل المقاييس"، في ظل استمرار العدوان وتداعياته، وتباطؤ تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وسط ما وصفه بـ"تواطؤ دولي واضح" تقوده الولايات المتحدة، وصمت مجلس الأمن عن اتخاذ إجراءات ملزمة تجاه ما يجري في القطاع.
وأوضح طه لـ "فلسطين أون لاين"، أن ما صدر عن مجلس الأمن حتى اللحظة لا يتجاوز كونه محاولات شكلية "لا ترقى إلى عتبة التنفيذ"، نتيجة الفيتو الأمريكي أو التراجع الأمريكي المتكرر، ما أبقى غزة تحت وطأة التجويع، والانهيار الكامل للبنية التحتية، وتدهور الأوضاع الإنسانية، خاصة مع المنخفضات الجوية التي تزيد من معاناة آلاف العائلات التي تعيش في خيام بالية تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار لم تُنفذ كما هو متفق عليه، لافتاً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي استمر في خرق بنودها، سواء عبر الاستهدافات الميدانية أو من خلال عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية، إذ لم يتم الالتزام بإدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يومياً، وفقاً لما نص عليه الاتفاق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المدنيين في القطاع.
وبيّن أن الاحتلال أعلن استعداده للسماح بإدخال نحو 40 ألف كرفان إلى قطاع غزة، إلا أن الآلية المقترحة تقوم على إدخال ألف كرفان فقط في البداية، وتأجيل البقية على مدى 90 يوماً أو أكثر، بدلاً من 30 يوماً، في إطار سياسة المماطلة التي تنتهجها إسرائيل في كل ما لا يخدم مصالحها.
وفيما يتعلق بالمرحلة الثانية من الاتفاق، أكد طه أن (إسرائيل) تحاول عرقلتها عبر ذرائع متعددة، أبرزها الادعاء بوجود جثة جندي إسرائيلي ما زالت في غزة، معتبراً أن هذه الذرائع تهدف إلى كسب الوقت وإظهار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بمظهر "المنتصر" أمام المجتمع الإسرائيلي، عبر تشديد الخناق على القطاع وإدامة معاناة سكانه.
وأضاف أن "(إسرائيل) لا عهد لها"، مشدداً على أن "خرق سلطات الاحتلال للمرحلة الأولى يدفعه لخرق المرحلة الثانية والثالثة من اتفاق وقف إطلاق النار، حتى وإن أعلنت خفض وتيرة القتل أو سمحت بإدخال محدود للمساعدات من طرفها، وليس عبر مصر، في محاولة للتحكم الكامل بمسار الإغاثة وإعادة الإعمار".
والأسبوع الماضي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ستيف ويتكوف انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهي المرحلة الأصعب، ليُعلن البيت الأبيض في وقت لاحق عن اعتماد تشكيلة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة/ لجنة تكنوقراط" وتشكيل أعضاء "مجلس السلام"، "قوة الاستقرار الدولية".
وحول الدور الأمريكي، قال الخبير المصري، إن (إسرائيل) لا ترغب في الدخول فعلياً في المرحلتين الثانية والثالثة لولا الضغط الأمريكي، معتبراً أن التوقيع على الاتفاق بات "توقيعاً أمريكياً"، وأن الإدارة الأمريكية، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، لا يمكنها التراجع عن تعهداتها بالوصول إلى المراحل الثلاث دون أن يظهر ذلك كضعف سياسي.
وفيما يخص لجنة التكنوقراط التي جرى الإعلان عن تشكيلها لإدارة قطاع غزة، أوضح طه أنها تمثل خطوة بالغة الأهمية، إذ ستتولى الإشراف على الملف الأمني، وإدارة المساعدات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، بما يضمن قدراً أكبر من العدالة والتنظيم في إدارة شؤون القطاع، بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وأشار إلى أن حركة حماس أبدت موافقتها على اللجنة ودعتها لمباشرة عملها في قطاع غزة.
وأكد طه أن (إسرائيل) ترفض بشكل قاطع لجنة التكنوقراط أو ما يسمى بـ"مجلس السلام"، وترفض إشراك دول مثل قطر وتركيا، بذريعة ارتباطهما بحركة حماس، معتبراً أن هذه مجرد ذرائع لخلق عراقيل أمام أي اتفاق لا يتماشى مع الرؤية الإسرائيلية.
وختم طه بالتأكيد على أن تشكيل مجلس السلام تم برعاية أمريكية، ويضم شخصيات عربية بارزة، من بينها رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، وهو ما يمنح المجلس ثقلاً وضمانات للعدالة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب جهداً عربياً جماعياً، تقوده مصر والأردن، لإعادة إعمار غزة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الضفة الغربية والقدس، وصولاً إلى تهدئة شاملة ودائمة في الأراضي الفلسطينية.