قائمة الموقع

غزة بعد اتفاق وقف النار... سيناريوهات المشهد القادم

2026-02-13T08:00:00+02:00

بعد ما يقرب من خمسة أشهر من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفقا لخطة الرئيس دونالد ترمب للسلام المكونة من عشرين بندا، والتي تمر من مرحلتين، تم الانتهاء من المرحلة الأولى التي تم خلالها تنفيذ عملية تبادل الأسرى بين الطرفين، وتدفق جزئي للمساعدات الإنسانية.
ثم جرى الانتقال إلى المرحلة الثانية، حيث تم تشكيل مجلس للسلام تحت رئاسة ترمب، وتشكيل لجنة فلسطينية تكلف بتدبير العمل الحكومي في غزة تحت توجهات المجلس، مع فتح محدود لمعبر رفح يسمح بدخول وخروج أعداد قليلة من الفلسطينيين.

غير أن الواقع الميداني لم يعكس استقرارا حقيقيا، فقد تواصلت خروقات وقف إطلاق النار من طرف الكيان، ولم تتوقف العمليات العسكرية، إذ سقط أزيد من 550 شهيدا، في ظل استمرار تعنت الكيان في الوفاء بالتزاماته، ومحاولة الهرب من استحقاقات كل مرحلة.

مما يطرح تساؤلات حول أين يتجه الوضع في غزة؟ والسيناريوهات المستقبلية للقضية؟

البداية مع مجلس السلام

تم تشكيل مجلس السلام انسجاما مع خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة، إذ أسند للمجلس مهمة تحقيق السلام والحفاظ على الاستقرار بالمنطقة، والعمل على إعادة إعمار القطاع وإدارته. وحظي المجلس بتأييد دولي وأممي واسع، بعد صدور القرار الأممي رقم 2803 الذي منح شرعية دولية لعمل المجلس.

غير أنه، ومع صدور ميثاق المجلس الذي أعلن عنه ترمب في شهر يناير/كانون الثاني، اتضح أن المجلس لن يقتصر عمله على غزة، بل سيمتد إلى مناطق نزاع أخرى حول العالم، أي إننا نتحدث عن هيئة دولية جديدة تقوم بمهام الأمم المتحدة، ويمكن أن تكون بديلا محتملا لها في المستقبل، خصوصا في ظل الانتقادات المتكررة التي وجهها ترمب للأمم المتحدة، واعتباره أنها لم تعد تقوم بدورها بالشكل المطلوب.

ويتضح من خلال ذلك أن تأسيس مجلس السلام يهدف بالأساس إلى تدبير وإدارة الصراع بعيدا عن آليات الأمم المتحدة، وعن الشرعية الدولية المرتبطة بالقانون الدولي، في ظل المكتسبات المهمة التي حققها النضال الفلسطيني على مدار سنوات طويلة، وخصوصا أثناء حرب الإبادة الأخيرة على غزة، مثل قرار المحكمة الجنائية الدولية، والتصويت على عضوية دولة فلسطين، وغيرها من القرارات.

ويحاول ترمب، من خلال توسيع مهام مجلس السلام من غزة ليشمل مختلف القضايا في العالم، الانفراد بالقرار الدولي وجعله يخدم مصالح الولايات المتحدة ورؤيتها للعالم، في ظل وجود حق النقض في مجلس الأمن، فيما سينفرد وحده بحق النقض في مجلس السلام.

كما أن تحفظ عدد من الدول، وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي، عن الانضمام للمجلس حتى الآن، يعكس وجود تباين في الرؤى حول مشروعيته وحدود صلاحياته.

إنهاء الاحتلال أم إنهاء المقاومة؟

ربط الاحتلال انسحابه الكامل من غزة بنزع سلاح المقاومة وإنهاء العمل المسلح، مع ضغوط سياسية وتصريحات تؤكد أن هذا الشرط أساسي لأي ترتيبات نهائية. وهدد ترمب أكثر من مرة أن على حماس نزع سلاحها أو سيتم ذلك بطريقة صعبة، مدعيا أن الحركة وافقت أثناء المفاوضات على ذلك.

في المقابل، تبرز آراء تدعو إلى تسليم السلاح باعتباره مدخلا لتخفيف المعاناة، مستندة إلى اختلال ميزان القوى والسياق الدولي غير المواتي للفلسطينيين. غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية:

هل تسليم سلاح المقاومة سينهي معاناة الشعب الفلسطيني؟ وهل سيوقف اعتداءات الاحتلال وسياسته التوسعية؟ هل سلاح المقاومة هو المشكلة أم الاحتلال؟

ما زالت الذاكرة الجمعية الفلسطينية تستحضر مشاهد مرتبطة بمسألة تسليم السلاح، المتمثلة في "مجزرة صبرا وشاتيلا"، أي أن تسليم السلاح لدى الفلسطيني هو مقابل فتح باب الاستباحة للاحتلال من أجل القتل دون حسيب ودون رادع.

وذلك في ظل غياب ضمانات، ووجود احتلال إحلالي استيطاني يهدف بشكل واضح وعلني إلى إنهاء الوجود الفلسطيني، إما قتلا أو تهجيرا. وهو ما يتجلى من خلال سياسات حكومته المتطرفة قبل الحرب وأثناءها وبعدها.

وإذا سلمنا بأن السلاح سيكون ذريعة للاحتلال من أجل استمرار اعتداءاته، فقد سبق من قبل الحديث عن قضية الأسرى باعتبارها سببا لاستمرار الحرب، ثم انتقلنا إلى قضية السلاح، وستستمر الأمور بهذا الشكل، والبحث عن ذرائع جديدة، إلى أن يحقق الاحتلال أهدافه.

وهل سلاح المقاومة هو المشكلة، أم إن الاحتلال هو الطارئ على المنطقة، ووجوده مرتبط بوجود مقاومة مسلحة تدافع عن شعبها وتعمل على تحرير أرضها؟ وبالعودة إلى أسباب معركة طوفان الأقصى، أليس حصار القطاع وصعوبة العيش والاعتداءات المتكررة من طرف الاحتلال هي ما أدى إلى هذا الواقع؟

فإذا أردنا معالجة هذه الأسباب من أجل عدم العودة إلى الحرب، فيجب الانطلاق بالأساس من وقف اعتداءات الاحتلال، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المتمثلة في الحرية والعيش الكريم على أرضه.

وفي النهاية، فإن هذا الأمر يعد مستحيلا، لأن مسألة السلاح ليست مجرد أداة، بل هي جزء من بنية فكرية وهوياتية لدى أفراد المقاومة، وأن تحرير الأرض لا يتحقق إلا من خلال المقاومة والعمل المسلح.

ومع وجود بيئة شعبية واسعة تحمل الكثير من الجراح والحقد والعداء للاحتلال، في ظل الجرائم التي مارسها في حقهم، فإن أي محاولة لإلغاء هذا الواقع بالقوة ستؤدي إلى إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة.

السيناريوهات المحتملة

يضع هذا الأمر المقاومة في وضع صعب، في ظل محدودية الخيارات المتاحة، ما بين حقن دماء الأبرياء في غزة، وبين التحديات الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية اليوم.

وفي غياب آفاق سياسية وضمانات حقيقية لوقف العدوان، وفي مقابل السياسات التوسعية والاستيطانية التي تنهجها حكومة الاحتلال، والمتجهة نحو إنهاء الوجود الفلسطيني في الضفة، وتشريع قانون يتيح إعدام الأسرى، يأتي كل ذلك في وضع إقليمي غير مستقر، يتسم بتراجع الأطراف الداعمة للمقاومة، وتوسع وعربدة "إسرائيلية".

في ظل ذلك، يبدو أن الوضع في غزة، ومع ربط الاحتلال انسحابه من القطاع بنزع سلاح المقاومة، وتهديده بأنه إذا لم يتم نزع السلاح وفقا لخطة السلام فسيقوم بذلك بالقوة، فإن السيناريو الأكثر احتمالا والأقرب هو ترسيخ النموذج اللبناني في غزة، أي الاستمرار في الاستهداف المباشر لأفراد المقاومة ومراكزهم كلما توفرت المعلومات على ذلك، والاعتماد على المليشيات التابعة له على الأرض، مع فرض قيود على عملية إعادة الإعمار.

كما يظل احتمال عودة الحرب من جديد قائما، مع وجود حكومة متطرفة في الكيان ما زالت تطمح إلى الاستيطان في غزة، انطلاقا من استكمال خطة التهجير وتفريغ القطاع، وتحقيق ما يسمى "بالنصر الكامل". ورغم أن هذا السيناريو يعد بعيدا، فإنه يبقى واردا في ظل محدودية الخيارات لدى المقاومة.

ومن خلال ما سبق، يتضح أن القضية الفلسطينية تعيش اليوم مرحلة دقيقة، تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة في التعامل مع الضغوط والتحديات. وإن أي تسوية مستدامة تتطلب معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وضمان الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، وتوفير ضمانات أمنية متبادلة.

أما الحلول الجزئية أو المؤقتة، فقد تنجح في احتواء التوتر لفترة، لكنها لا تبدد احتمالات عودته. ويبقى مستقبل غزة والقضية الفلسطينية عموما مرتبطا بتحولات موازين القوى الإقليمية والدولية.

اخبار ذات صلة