قوبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكيل ما أُطلق عليه «مجلس السلام في غزة»، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية لما يُعرف بـ«اليوم التالي» للحرب على القطاع، بموجة انتقادات واسعة في الأوساط الفلسطينية، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي.
واعتبر كتّاب وأكاديميون وصحفيون وناشطون أن المجلس يمثل مشروع وصاية دولية جديدة على غزة، يهدف إلى إعادة هندسة إدارتها السياسية والأمنية، ويمهّد لنزع سلاح المقاومة.
وبحسب الإعلان الأميركي، يضم المجلس شخصيات دولية وأميركية بارزة، من بينهم مبعوثون سابقون ومسؤولون غربيون ورجال أعمال، إلى جانب تشكيل لجنة فلسطينية لإدارة غزة تحت مسمى «تكنوقراط ومهنيين». وقد أثارت هذه التركيبة تساؤلات واسعة بشأن حقيقة التمثيل الفلسطيني، وحدود الصلاحيات، والجهة التي ستتحكم بالقرار السيادي في القطاع.
ووصف الناشط الفلسطيني معاذ خلف (@moaath_khalaf) المجلس بأنه امتداد لمشاريع استعمارية، وكتب على منصة «إكس»: «مجلس سلام غزة يمكن تسميته اصطلاحًا مجلس استعمار غزة، والمهمة من الصعب أن تكتمل».
ويعكس هذا الرأي حالة تشكيك شعبية واسعة في فرص نجاح المجلس أو قبوله فلسطينيًا، في ظل غياب أي توافق وطني حوله.
واعتبر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني ياسين عز الدين (@yaseenizeddeen) أن طبيعة المجلس تعكس أهدافه الحقيقية، وكتب: «ترمب يعلن عن تشكيل مجلس السلام، وتركيبته سيئة، وهذا متوقّع. يترأسه ملادينوف، وتضم عضويته ويتكوف وكوشنير ووزيرة إماراتية وحاخامًا أميركيًا ورجل أعمال قبرصيًا إسرائيليًا. كما أن تركيبة لجنة إدارة غزة سيئة أيضًا، فجميع أعضائها من الموالين للسلطة تحت مسمى (تكنوقراط ومهنيين).
الفصائل الفلسطينية والمقاومة قد تُضطر للتعامل مع الواقع لتفادي عودة المجازر واسعة النطاق، لكنها لن تقبل بتمرير كل المخططات، خصوصًا ما يتعلق بنزع السلاح. من الواضح أن الفصائل تحاول شراء الوقت…».
ورأى حساب «زعتر فلسطين» (@za3tarpalestine) في الإعلان تكريسًا صريحًا للوصاية، وكتب: «إعلان دونالد ترمب تشكيل ما سماه مجلس السلام في غزة ليس مبادرة سلام، بل إعلان وصاية استعمارية مكتملة الأركان على قطاع خرج لتوه من حرب إبادة. هذا المجلس لم يُنشأ لإعمار غزة ولا لإنقاذ أهلها، بل لإنجاز ما عجز نتنياهو عن فرضه بالقوة: نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها…».
وقدّم الأكاديمي الفلسطيني محجوب الزويري (@Profmzweiri) قراءة تحليلية للخطوة الأميركية، محذرًا من تبعاتها السياسية والإدارية، وكتب: «أربع تقييمات سريعة حول إعلان تركيبة ما يسمى بمجلس السلام في غزة… المجلس استمرار للمحاولة الأميركية–الترامبية لتعزيز تفوق دولة الاحتلال، وقد يجد نفسه امتدادًا لاتفاقيات أبراهام، كما أن غياب الآليات الواضحة لعلاقته بلجنة إدارة القطاع سيخلق مستويات إضافية من البيروقراطية…».
بدوره، غرّد الكاتب والمحلل السياسي سعيد زياد قائلًا: «ترامب يعلن عن تشكيل (مجلس السلام)، جميع أعضائه شخصيات أميركية، بالإضافة إلى توني بلير سيّئ السمعة. هذا انتداب أميركي للقطاع، وجولة استعمار جديدة بوجه أميركي هذه المرة. الله يعينك يا غزة».
ووصف الشاعر والصحفي الفلسطيني علي جاحز (@ALIz1975m) الإعلان بلهجة حادّة، وكتب: «كارثة كبرى.. مجلس السلام لاحتلال غزة ونزع سلاح المقاومة. يرأسه المجرم ترمب، ويتكوّن من هيئات يقودها صهاينة، مع مشاركة شكلية من دول إقليمية… الخلاصة: احتلال خطير بواجهات متعددة».
وركّز الكاتب والمحلل الفلسطيني إبراهيم المدهون (@eb78m) على البنية السياسية والأمنية للمجلس، قائلًا: «المجلس الذي أعلن عنه دونالد ترمب، بتشكيلة يغلب عليها الحضور الأميركي الأمني والعسكري، يعكس انحيازًا واضحًا في بنيته وشخوصه، إذ إن معظم أعضائه معروفون بقربهم السياسي والفكري من إسرائيل، مقابل غياب شبه كامل لأي تمثيل حقيقي للفلسطينيين».
وانتقد الكاتب الفلسطيني حسن عصفور (@hasfour50) غياب الموقف الرسمي الفلسطيني، وكتب: «مرّت ساعات على إعلان ترامب مجالس الوصاية الدولية على غزة، والغريب أنه لم يصدر أي موقف عن الرسمية الفلسطينية… الصمت له تفسير واحد».
ورأت الإعلامية الفلسطينية هدى نعيم (@HuDa_NaIm92) أن ما يجري يتجاوز إنهاء الحرب، وكتبت: «غزة ومجلس السلام… نشهد إعادة هندسة شاملة لإدارة غزة بمرجعية دولية عليا، وإدارة فلسطينية تكنوقراطية محدودة الصلاحيات، ووصاية أمنية دولية بنزع السلاح. إطار يُنهي الحرب شكليًا، لكنه يفتح سؤال السيادة الفلسطينية».
وتعكس هذه المواقف، الصادرة عن أصوات فلسطينية متنوعة، رفضًا واسعًا لتركيبة «مجلس السلام»، واعتباره محاولة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية على قطاع غزة بعد الحرب، تحت عناوين السلام وإعادة الإعمار، فيما يرى منتقدوه أنه مشروع وصاية دولية يهدد بتقويض السيادة الفلسطينية، ويضع مستقبل القطاع بيد أطراف منحازة للاحتلال الإسرائيلي.

