فلسطين أون لاين

تحليل قوَّة الاستقرار الدَّوليَّة في غزَّة.. حماية إنسانيَّة أم غطاء لمشروع أمريكيّ جديد؟

...
تحليل: قوَّة الاستقرار الدَّوليَّة في غزَّة.. حماية إنسانيَّة أم غطاء لمشروع أمريكيّ جديد؟
غزة/ جمال غيث:

يثير الحديث المتزايد عن تشكيل «قوة استقرار دولية» في قطاع غزة تساؤلات جوهرية في الشارع الفلسطيني، تتعلق بمدى قدرتها الفعلية على وقف جرائم الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، وإجبار الاحتلال على فتح معابر القطاع، وإدخال الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ومياه ومساكن، وصولًا إلى إعادة الإعمار ورفع الحصار بشكل كامل.

وفي هذا السياق، تتباين مواقف المحللين السياسيين بين من يرى في هذه القوة فرصة مشروطة لتوفير حماية دولية، ومن يعتبرها غطاءً جديدًا لمشروع أمريكي يهدف إلى فرض وصاية سياسية وأمنية على قطاع غزة.

وكان البيت الأبيض قد أعلن، أمس، تعيين الجنرال في القيادة الوسطى الأمريكية، جاسبر جيفرز، قائدًا لقوة الاستقرار في قطاع غزة.

مهام القوة

يقول الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح إن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تكون درعًا حاميًا للشعب الفلسطيني، في ظل صمتها، بل وتواطؤها، مع الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.

ويشير الصباح، لصحيفة "فلسطين"، إلى أن أي حديث عن قوة استقرار دولية يجب أن يُقاس بمهامها الفعلية على الأرض، لا بالعناوين السياسية الفضفاضة.

وأضاف أن القوة الدولية، وفق المفهوم الفلسطيني، مطالبة بوقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ومنع إطلاق النار على المدنيين، وإجبار جيش الاحتلال على الانسحاب إلى ما بعد الخط الأصفر، إلى جانب فتح المعابر بشكل دائم، وإدخال جميع الاحتياجات الإنسانية والإغاثية، والشروع الفوري في إعادة الإعمار.

وأبدى الصباح تخوّفًا واضحًا من الطريقة التي تُدار بها التحضيرات لتشكيل هذه القوة، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية سارعت إلى تعيين مبعوثين وقيادات، بل وتشكيل ما يُسمّى بـ«مجلس السلام»، قبل اتضاح طبيعة القوة الدولية نفسها أو الإطار القانوني الذي ستعمل ضمنه.

كما لفت إلى تعيين الرئيس الأمريكي مبعوثه الخاص للشرق الأوسط، واتخاذ قرارات مسبقة تتعلق بقطاع غزة، في ظل غياب وقف إطلاق نار فعلي أو توافق فلسطيني، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول هوية هذه القوة، والجهة التي ستصدر عنها الأوامر، ومن سيتولى قيادتها، ودور الجنرال الأمريكي المتوقع، إضافة إلى طبيعة العلاقة مع مراكز التنسيق الأمني والمدني، وأهدافها الحقيقية داخل القطاع.

ويرى الصباح أن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو ووزرائه المعروفين بتصريحاتهم العنصرية، لا تخفي رؤيتها الهادفة إلى دفع سكان قطاع غزة نحو الرحيل، ما يجعل أي قوة دولية تُشكَّل وفق الرؤية الإسرائيلية أو الأمريكية مهددة بالفشل، بل وقد تتحول إلى أداة ضغط جديدة على الشعب الفلسطيني.

وتابع أن الشعب الفلسطيني لا يمتلك بيئة آمنة سوى على أرضه، وأن وحدته وتماسكه خلف مشروعه الوطني، وثباته في أرضه، تشكّل الضمانة الحقيقية لتحقيق أهدافه، وفي مقدمتها رفع الحصار، وإعادة الإعمار، وبناء مؤسساته الوطنية، وصولًا إلى إقامة دولته الفلسطينية المستقلة.

وأوضح أن نجاح أي قوة استقرار دولية يبقى مرهونًا بتركيبتها وشروط تشكيلها؛ فإذا جاءت وفق الشروط الفلسطينية وشروط المقاومة، وشكّلت مظلة حماية حقيقية تمنع الاحتلال من مواصلة جرائمه، فقد تمثل خطوة إيجابية.

ومضى بالقول: أما إذا فُرضت بشروط أمريكية وإسرائيلية، مع فيتو مسبق على مشاركة دول بعينها كتركيا، وربط الدورين القطري والسعودي بشروط التطبيع مع الاحتلال، فإن هذه القوة ستكون محكومة بالفشل، ولن تكون في مصلحة الشعب الفلسطيني.

وصاية أمريكية

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أن قطاع غزة بات حاضرًا بشكل مباشر على أجندة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن ما يجري هو محاولة لفرض وصاية أمريكية طويلة الأمد على القطاع، لا علاقة لها بحماية الفلسطينيين أو الدفاع عن حقوقهم.

ويقول سويرجو، لـ"فلسطين"، أن قوة الاستقرار الدولية ليست سوى أداة لتمرير المشروع الأمريكي في المنطقة، الهادف إلى دمج الاحتلال الإسرائيلي إقليميًا، وفك عزلته، وإعادة فتح باب التطبيع مع الدول التي لم تنخرط بعد في هذا المسار.

ويحذر من أن النتائج النهائية لهذا المشروع لن تكون في صالح الفلسطينيين، حتى وإن شهد القطاع تحسنًا شكليًا أو تسهيلات مؤقتة، مؤكدًا أن العمل يجري على فصل قطاع غزة عن المشروع الوطني الفلسطيني، وتحويله إلى كيان خاضع للإدارة الأمريكية المباشرة، بما يشبه «محمية أمريكية»، تُدار أمنيًا وسياسيًا بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، مع تدمير تدريجي لمقومات المقاومة والحياة الوطنية في القطاع.

وأشار إلى أن من أبرز العوائق أمام نجاح أي قوة دولية انعدام الثقة بين الجمهور الفلسطيني وأي لجان أو إدارات تُفرض عليه تحت إشراف أمريكي مباشر، معتبرًا أن وجود إدارة فلسطينية «تحت النار» وبإملاءات أمريكية وإسرائيلية سيضعها في مواجهة مباشرة مع الشارع الفلسطيني، ويفتح الباب أمام صدامات داخلية وحالة من عدم الاستقرار، بدلًا من تحقيق الأمن والحماية.

وخلص سويرجو إلى أن ما يُطرح اليوم هو شكل جديد من الوصاية الأمريكية على قطاع غزة، يُفرض بعقلية مختلفة، قد تصل إلى حد تغيير الوثائق والهوية، وتحويل المواطن الغزي إلى كيان بلا هوية وطنية واضحة.

لكنه شدد، في المقابل، على أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بهذه الوصاية، ولن يسمح بشطب هويته الوطنية أو فرض حلول تنتقص من حقوقه، مؤكدًا أن أي مشروع لا يستند إلى الإرادة الفلسطينية الحرة ومقاومة الاحتلال مصيره الفشل.

المصدر / فلسطين أون لاين