يرى اللواء الإسرائيلي المتقاعد يتسحاق بريك، في مقال نشره موقع معاريف، أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل أو حتى إلغاء ضربة عسكرية محتملة ضد إيران لا يعكس حالة تردد، بقدر ما يعكس مقاربة حسابية دقيقة توازن بين كلفة الخيارات العسكرية ومخاطرها الاستراتيجية والسياسية.
ووفق بريك، يستند ترامب في تعاطيه مع الملف الإيراني إلى ثلاثة اعتبارات مركزية.
أول هذه الاعتبارات، وفق التحليل، قناعة ترامب بأن التفوق الجوي، مهما بلغ، لا يفضي بالضرورة إلى تغيير سياسي عميق. فالتجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن الضربات الجوية غالبًا ما تؤدي إلى التفاف داخلي حول السلطة القائمة في مواجهة “الخطر الخارجي”، بدل إضعافها.
ويقدّر ترامب أن أي تحول مستدام في إيران لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية، بل قد يتحقق فقط عبر مسارات داخلية، تشمل الضغوط الاقتصادية وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، في حين أن هجومًا عسكريًا قد يمنح النظام الإيراني شرعية إضافية ويقوض أي حراك داخلي محتمل.
الاعتبار الثاني يرتبط بالمخاوف من انزلاق أي مواجهة مع إيران إلى حرب إقليمية واسعة، قد تمتد إلى العراق ولبنان وسوريا وإسرائيل ودول الخليج. مثل هذا السيناريو، بحسب بريك، من شأنه أن يجر الولايات المتحدة إلى صراع طويل الأمد، عالي الكلفة بشريًا وماليًا، ويتناقض بشكل مباشر مع تعهدات ترامب الانتخابية بتجنب الانخراط في “حروب الشرق الأوسط”، فضلًا عما قد يلحقه من ضرر بمكانته الدولية وصورته السياسية.
أما الاعتبار الثالث، فيتعلق بالساحة الداخلية الأميركية، التي تشكل عنصرًا حاسمًا في حسابات الرئيس. فترامب، كما يرى بريك، يدرك أن أي صدمة أمنية أو اقتصادية كبرى، مثل ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب مع إيران، قد تنعكس سلبًا على المزاج العام، وتؤثر في نتائج انتخابات التجديد النصفي، بما يمنح خصومه في الكونغرس فرصة فتح مسارات سياسية قد تصل إلى إجراءات عزله. ومن ثم، فإن المغامرة بحرب تهدد توازناته الداخلية تعني، عمليًا، تهديدًا مباشرًا لاستمراره في الحكم.
ويخلص بريك إلى أن ترامب يفضّل تحمّل تآكل مؤقت في صورته ومصداقيته الدولية على خوض مغامرة عسكرية قد تقوده إلى فقدان السلطة. فبرأيه، يمكن احتواء الخسائر المعنوية عبر حملات إعلامية أو إنجازات اقتصادية لاحقة، بينما يشكّل فقدان السلطة نقطة لا عودة. ومن هذا المنظور، يبدو تأجيل الضربة خيارًا محسوبًا يقدّم البقاء السياسي على المغامرة العسكرية.