قائمة الموقع

من استراتيجية الصبر إلى الحزم… قراءة في الذكاء الاستراتيجي الإيراني

2026-02-05T07:41:00+02:00
فلسطين أون لاين

إيران اليوم ليست مجرد دولة في خريطة الشرق الأوسط، بل قوة إقليمية متكاملة تمارس نفوذها على أكثر من مستوى: سياسيًا، عسكريًا، اقتصاديًا، ودبلوماسيًا. ما يميز السياسة الإيرانية هو دمج الصبر مع الحزم في إطار استراتيجية طويلة الأمد، تمنحها القدرة على المناورة أمام القوى الكبرى والمنافسين الإقليميين، وتحوّل التحديات إلى فرص لتحقيق مصالحها الوطنية.

الصبر: استراتيجية زمنية للتأثير والبقاء

الصبر في السياسة الإيرانية لا يعني التردد، بل هو استثمار ذكي للوقت والمواقف، وهو أداة أساسية لإدارة الضغوط الدولية والإقليمية. يمكن ملاحظة هذا الصبر في عدة أمثلة حقيقية:

1. المفاوضات النووية مع الغرب: منذ سنوات، تعرضت إيران لضغوط أمريكية وأوروبية شديدة، بما في ذلك عقوبات اقتصادية خانقة. رغم ذلك، اعتمدت طهران سياسة الصبر، مستثمرة الوقت لتطوير برنامجها النووي بشكل تدريجي، والحفاظ على مصالحها الحيوية، حتى وصلت إلى اتفاقيات جزئية ومفاوضات جديدة تحقق توازنًا بين الضغوط والحقوق السيادية.

2. التوازن الإقليمي عبر حلفاء ونفوذ غير مباشر في لبنان، العراق، سوريا واليمن، اعتمدت إيران على دعم حلفاء إقليميين وسيع نفوذها دون الدخول في مواجهات مباشرة "دعم حزب الله في لبنان ليس مجرد دعم سياسي، بل أداة استراتيجية تعزز القدرة الإيرانية على التأثير في القرار الإقليمي بعيدًا عن المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى"

3. التحكم الداخلي وإدارة الأزمات الاقتصادية: على الصعيد الداخلي، يظهر الصبر الإيراني في التكيف مع العقوبات الاقتصادية وتحديات التضخم، حيث تعتمد الدولة على تدابير جزئية واستراتيجيات تدريجية لإبقاء الاستقرار السياسي والاجتماعي، محافظين على شرعية الدولة ومكتسبات النفوذ.

الحزم الرد العملي عند الخطر فالصبر وحده لا يكفي بالسياسة الإيرانية الاي تظهر حزمها عند تجاوز الخطوط الحمراء أو تهديد المصالح الحيوية:

1. الرد العسكري الاستراتيجي: شهدت السنوات الأخيرة ردودًا إيرانية حازمة على أي استفزاز، مثل الرد على الغارات أو الهجمات ضد مصالحها العسكرية في سوريا والعراق، أو في المنطقة. هذه الردود تُظهر قدرة إيران على الردع المباشر مع الحفاظ على التوازن الإقليمي.

2. خطوط حمراء في المفاوضات: في المفاوضات الدولية، يظهر الحزم في رفض التخلي عن حقوقها النووية والسيادية. إيران لا تساوم على ما تعتبره أمنًا قوميًّا، ويجعل هذا الحزم أي طرف خصم يدرك أن التفاوض مع إيران يتطلب احترام حدودها الإستراتيجية.

3. فرض النفوذ الإقليمي عبر الدعم السياسي والعسكري

4. الحزم الإيراني يظهر في الدعم الاستراتيجي للحلفاء الإقليميين، في العراق واليمن، والدور العسكري والسياسي في سوريا، مما يضمن استمرار قوة ايران ويحول دون التفوق الإقليمي لأي طرف منافس، خصوصًا فلسطين ولبنان ضمن منهجية الدمج بين الصبر والحزم وهنا بكمن سر الاستراتيجية الإيرانية.

وقدرة الذكاء الإيراني الذي يكمن في التوازن بين الصبر والحزم، وهذا لإيران فرصة بناء النفوذ والمناورة الذكية بحزم يفرض الاحترام والردع عند الضرورة. هذه الاستراتيجية تسمح لإيران بأن تكون لاعبًا صعب التوقع، يمنحها القدرة على تحويل التهديدات إلى فرص، واستثمار الوقت والموارد لتحقيق أهداف بعيدة المدى.

أثناء العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني، استخدمت إيران الصبر في التفاوض، لكن في الوقت نفسه أظهرت حزمًا عبر إيجاد أسواق بديلة للتصدير باستخدام طرق بحرية وتجارية غير تقليدية لتجاوز القيود ، وفي الحرب السورية اعتمدت على حلفائها بصبر طويل لبناء النفوذ، ثم حزم استراتيجي منحها حيوية اثبتت أن صبرها ليس ضعفًا بل استراتيجية مدروسة.

فالجمهورية الإسلامية لا تقتصر قوتها على الانفعال اللحظي، بل على إدارة الوقت والمواقف بعقلانية. والصبر يعكس عمق الاستراتيجية، والحزم يعكس قدرة الردع، وهما معًا يشكلان مزيجًا يخلق إيران صعبة الانكسار، وحاسمة في قراراتها. فإذا كان الصبر استراتيجية للحفاظ على النفوذ، والحزم وسيلة للردع، فهل ستستطيع إيران استمرار هذا التوازن في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة، أم أن تحولات المنطقة قد تضطرها لإعادة صياغة فلسفتها بين الصبر والحزم؟

اخبار ذات صلة