فلسطين أون لاين

عام على تفكيك المخيم: من الضبط الداخلي إلى الجرافة العسكرية

عام مضى تقريبا منذ أطلق الاحتلال ما سمي بعملية "الاسوار الحديدية"، العملية التي سبقتها بوقت قصير جدا ما سمي ايضا بحملة "حماية وطن"، والان وبعد قرابة عام او اكثر على كلا العمليتين، بات من الصعب التعامل مع ما جرى في مخيمات شمال الضفة باعتباره تتابعا عرضيا لأحداث امنية منفصلة، بل ربما ان الصورة اقرب الى كونه تقاطعا سياسيا وامنيا بين مسارين مختلفين في الشكل، لكنهما متكاملان في النتيجة، الاول مسار داخلي عنوانه العريض فرض النظام، ومسار خارجي ينفذه جيش الاحتلال تحت عناوين كثيرة، وفي مقدمتها ما يسمى بالضرورات العسكرية والامنية، لكن الناظر بعين المحلل يمكن له ان يرى ان المحصلة كانت واحدة، تفكيك المخيم واضعاف بيئته الاجتماعية، ومن ثم ازالة ما تبقى لديه من قدرات على انتاج الفعل السياسي والمقاوم.

فالأول استهدف في جوهره البنية التنظيمية والاجتماعية التي نشأت داخل المخيم خلال السنوات الاخيرة، والتي عدت متمردة عليه، فكانت الاعتقالات الواسعة والقتل والملاحقات والحصار الداخلي اكثر من كونها مجرد اجراءات ضبط امني، بل لربما يمكن وصفها بانها كانت اعادة ترتيب لموازين القوة داخل المجتمع المحلي عموما، والمخيم خصوصا، بما يضمن تحييد الفاعلين وخاصة اولئك القادرين على تعطيل مسارات التسويات السياسية والامنية، وحين اطلق جيش الاحتلال لاحقا عمليته الواسعة، كان يتوغل في حيز سبق افراغه سياسيا، وانهاكه اجتماعيا، وخنقه اقتصاديا، وتقطيع اوصاله تنظيميا، الامر الذي سهل عليه سرعة الانتقال من الاقتحام، وهو ما كان امرا بالغ الصعوبة سابقا، الى قرار الهدم والتدمير، اي انه بالمحصلة كان انتقالا من الملاحقة الى اعادة الهندسة كليا، ولكن بمفهومها المظلم، اي تفكيك واعادة تركيب المخيم وفق متطلبات السيطرة.

هنا لا يمكن تجاهل ان المنطق الذي حكم كلا العمليتين هو ذاته، منطق السيطرة الوقائية لا المعالجة السياسية، او نزع القوة لا معالجة الاسباب، وهذا قد يتجاوز الصدفة، بل ربما يكون تعبيرا عن اندماج غير معلن، او تقاطع في وجهات النظر تقوم على تعريف المخيم كمشكلة امنية، لا كفضاء سياسي قسري ونتاج تاريخ طويل من الاقصاء او مساحة صراع على مستقبل القضية اكثر من كونه اثر من الماضي، بالتالي فان تبني اي تعريف للمخيم بما يخالف هذه الحقيقة او التحرك وفقا لذلك، يجعل من هذا الطرف، اي طرف، شريكا في صنع الواقع الذي يتحرك خلاله جيش الاحتلال، لا عائقا امامه.

الأكثر خطورة ان هذا التكامل او التقاطع، ان كان مقصودا، فهو عبارة عن اعادة انتاج لمعادلة قديمة، ولكن بصيغتها الاشد قسوة، عبر تقاسم الادوار بين من يضبط الفضاء الداخلي عبر بوابة الامن، ومن يشكل الفضاء الخارجي عبر بوابة التدمير المادي واعادة رسم الجغرافيا وفرض الوقائع، وبهذه الصيغة لا يعود التنسيق الامني مجرد تبادل معلومات، بل قد "يرقى" الى مستوى الانسجام الاستراتيجي.

سياسيا جاء كل ذلك في ظل المزيد من تآكل شرعية المؤسسات، وغياب اي افق وطني جامع، ما جعل المخيم هدفا "سهلا" لاعادة تعريف دوره من رمز للجوء والمقاومة، الى "حيز" يجب ضبطه واعادة دمجه قسرا في نظام اداري امني مراقب، وما استهداف الاونروا ومنع عودتها ومن ثم فرض الشروط على اعادة السكان باجراءات منفصلة، بل حلقات في سلسلة تهدف الى تفريغ المخيم من معناه القانوني والتاريخي، وتحويله الى حي خاضع لمنطق البلدية والامن، لا منطق الحقوق.

المفارقة ان هذا المسار يضع السلطة نفسها في زاوية ضيقة جدا، فكلما توسعت عمليات الهدم وامتدت اشهر التهجير القسري، وزاد الاحتقان الشعبي، تآكل معها هامش الادعاء باي سيادة، وزاد من فرص وخطر العودة الى الحكم العسكري المباشر، وبالرغم من ذلك كله، يستمر التعويل على مقاربات قديمة جديدة، كالرهان على ما قد يدره ضبط الداخل من دعم مالي وسياسي، وهو بعيد المنال - حتى الان على الاقل - اكثر من الاستثمار في بناء عقد سياسي حقيقي، وهذا يقود حتما الى حقيقة ان اي سلطة تفتقد للشرعية السياسية والحاضنة الشعبية لن تكون قادرة على ان تكون بديلا مستقرا للاحتلال، بل ربما، وفي احسن الاحوال، جسرا مؤقتا يعبر من خلاله.

ما جرى في الضفة ويجري اليوم، ليس استهدافا للمخيم وحده، بمكانته او رمزيته، بل اختبارا لنموذج حكم كامل يقوم على الفصل بين الامن والسياسة، وبين الادارة والحقوق، واستمرار ذلك يعني ان تتحول الضفة الغربية تدريجيا الى فضاء مراقب ومجزأ ومفرغ من القدرة على انتاج تمثيل سياسي حقيقي، بينما تبقى قضية اللاجئين معلقة في فراغ مؤسسي ودولي، يسمح بتهميشها واعادة تعريفها كمسألة انسانية، دون ان يترتب على ذلك حتى استجابة انسانية فاعلة، فضلا عن التعامل معها كحق سياسي.

المصدر / فلسطين أون لاين