شكّلت حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، المعروفة عربيًا بحرب تشرين أو حرب رمضان، محطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، ليس من حيث نتائجها العسكرية فقط، بل من حيث أثرها العميق في الوعي السياسي العربي وفي إعادة تعريف مفاهيم القوة والهزيمة والانتصار. جاءت هذه الحرب بعد ست سنوات من هزيمة عام 1967 التي خلّفت جرحًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا في الجسد العربي، وأفرزت حالة من الإحباط العام والتشكيك بقدرة الأنظمة العربية على استعادة الأراضي المحتلة، وفرضت واقعًا إقليميًا مائلًا لمصلحة إسرائيل بدعم دولي واسع.
اندلعت الحرب في السادس من تشرين الأول 1973 بمبادرة مصرية–سورية مشتركة، واستهدفت كسر حالة الجمود العسكري والسياسي التي فرضتها إسرائيل بدعم غربي واضح. استطاعت القوات المصرية عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، في إنجاز عسكري أعاد للجيش المصري وللعرب عمومًا قدرًا مهمًا من الثقة بالنفس، فيما خاضت الجبهة السورية معارك ضارية في الجولان المحتل.
وبرغم التحولات اللاحقة في مسار العمليات العسكرية، فإن الأيام الأولى من الحرب شكّلت صدمة حقيقية لإسرائيل وحلفائها، وأثبتت أن التفوق العسكري الإسرائيلي ليس قدرًا ثابتًا، وأن عنصر المبادرة والتخطيط قادر على إحداث اختراق نوعي في معادلات الصراع.
في هذا السياق، برز الدور الأميركي بوصفه أحد أكثر العوامل تأثيرًا في مسار الحرب ونتائجها السياسية. فقد نظرت واشنطن إلى حرب تشرين على أنها أزمة استراتيجية تتجاوز بعدها الإقليمي، وترتبط مباشرة بتوازنات الحرب الباردة ومكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. عبّر وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر عن هذا القلق حين أقرّ بأن النجاحات العربية في بدايات الحرب قلبت حسابات القوة التي استقرت بعد عام 1967، وفرضت واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله.
انخرطت الولايات المتحدة سريعًا في دعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، وجاء قرار تفعيل الجسر الجوي لإمدادها بالسلاح خطوة هدفت إلى منع تحوّل التفوق العربي المؤقت إلى مكسب استراتيجي دائم. وقد أوضح كيسنجر في أكثر من تصريح أن الهدف الأميركي لم يكن تحقيق نصر إسرائيلي ساحق، بل منع هزيمة إسرائيل، لأن تلك الهزيمة كانت ستفتح الباب أمام تغييرات جذرية في موازين النفوذ الإقليمي، وربما تمنح الاتحاد السوفيتي موقعًا أكثر تقدمًا في المنطقة.
في الوقت نفسه، أدركت الإدارة الأميركية أن الحرب كشفت عن تحوّل مهم في القدرات العربية، وأن تجاهل هذا التحول سيقود إلى دورات جديدة من الصراع. من هنا، دفع كيسنجر باتجاه مسار سياسي جديد عُرف لاحقًا بدبلوماسية “الخطوة خطوة”، التي استندت إلى تحويل نتائج الحرب العسكرية إلى عملية تفاوضية مضبوطة، تبدأ باتفاقيات فك الاشتباك وتنتهي بإعادة ترتيب أولويات الصراع. وقد عبّر بوضوح عن هذه الرؤية حين أشار إلى أن الشرق الأوسط بعد 1973 لن يُدار بالمنطق ذاته الذي سبقه، وأن الاعتماد على التفوق العسكري وحده لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار.
سياسيًا، فتحت حرب تشرين الباب أمام مرحلة جديدة في الصراع العربي–الإسرائيلي، تمثّلت في الانتقال من منطق المواجهة الشاملة إلى منطق التسويات والاتفاقيات. هذا المسار قاد لاحقًا إلى اتفاقيات فض الاشتباك، ثم إلى معاهدة كامب ديفيد، التي مثّلت تحوّلًا استراتيجيًا في بنية النظام العربي. ومنذ ذلك الحين، تراجعت فكرة العمل العربي المشترك لصالح سياسات قطرية متباينة، بينما تعزّز الدور الأميركي بوصفه الطرف الأكثر تأثيرًا في إدارة الصراع، من خلال التحكم بإيقاع التفاوض وحدوده.
عند ربط حرب 1973 بالواقع العربي الراهن، تتبدّى أهمية استحضار هذه التجربة بوصفها لحظة فارقة بين زمن المبادرة وزمن التشتت. فالتحولات الإقليمية الحالية، بما في ذلك النزاعات الممتدة في المنطقة، والأزمات الداخلية في عدد من الدول العربية، والملفات الإقليمية المعقّدة، تكشف عن استمرار الدور الأميركي في صياغة توازنات الأمن والاستقرار، وإن بأدوات مختلفة. وبينما مثّلت حرب تشرين ذروة التنسيق العربي واستعادة الإرادة السياسية، يكشف المشهد الراهن عن غياب هذا التنسيق، ما يجعل أسئلة 1973 أكثر حضورًا اليوم: كيف تُستعاد الإرادة؟ وكيف تُبنى القوة؟ وأي دور يمكن أن يلعبه العامل الدولي في مستقبل الصراع؟
بهذا المعنى، تبقى حرب تشرين 1973 أكثر من حدث تاريخي؛ إنها مرآة تُقاس بها التحولات العربية، ودليل على أن امتلاك الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي قادر على تغيير الوقائع، حتى في ظل اختلال موازين القوة، شرط ألا تتحول الانتصارات العسكرية إلى تنازلات سياسية تفقد معناها مع مرور الزمن.

