قائمة الموقع

بين الموت بردًا أو مرضًا… أطفال غزة يدفعون الثمن الأثقل لحرب الإبادة المستمرة

2026-01-15T18:08:00+02:00
صورة من الأرشيف
فلسطين أون لاين

في خيامٍ مهترئة لا تقي برد الشتاء ولا حرّ الصيف، يقف أطفال غزة في مواجهةٍ يومية مع الجوع والمرض والخوف، كأنهم خُلقوا ليكونوا الحلقة الأضعف في حربٍ لم يختاروها، وحصارٍ لم يعرفوا سواه.

وبعد أكثر من عامين على حرب الإبادة والحصار المشدد، بات الأطفال الفئة الأكثر تضررًا، ليس فقط من حيث أعداد الشهداء والجرحى، بل بما يعيشه من نجا منهم من معاناة صحية ونفسية ومعيشية قاسية، حوّلت الطفولة في غزة إلى معركة بقاء مفتوحة.

ترسم تقارير المؤسسات الصحية والإنسانية، إلى جانب شهادات الأطباء والأهالي، صورة قاتمة لوضع الأطفال في القطاع؛ حيث تتقاطع المجاعة مع تفشي الأمراض، ويضاعف البرد من آلام النزوح، فيما تواصل القيود المفروضة على إدخال المساعدات والإجلاء الطبي خنق ما تبقى من فرص للحياة.

ويؤكد الدكتور أحمد النجار، المدير الطبي في مؤسسة “أنيرا” العاملة في قطاع غزة، في حديث لـ صحيفة فلسطين، أن أطفال غزة النازحين يعانون من موجة خطيرة من الأمراض، نتيجة تدهور الظروف المعيشية، والازدحام الشديد، ونقص المياه النظيفة، وانهيار منظومة النظافة والصرف الصحي.

ويشير النجار إلى أن أمراض الجهاز التنفسي، مثل الإنفلونزا والالتهاب الرئوي والتهاب السحايا، باتت واسعة الانتشار، خاصة مع انخفاض درجات الحرارة وغياب وسائل التدفئة داخل خيام النزوح. كما تفشّت الأمراض الجلدية، كالجرب والقمل والتهابات الجلد الحادة، بسبب شح المياه النظيفة وتدهور معايير النظافة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ يحذّر النجار من تزايد أمراض سوء التغذية، وعلى رأسها مرض “كواشيوركور” الناتج عن نقص حاد في البروتين، والذي يسبب تورم الأطراف والبطن، إلى جانب حالات الهزال ونقص المغذيات الدقيقة. ويضيف أن أمراض الجهاز الهضمي، مثل الإسهال والتيفوئيد والتهاب الكبد، تنتشر بفعل تلوث المياه والغذاء وغياب الصرف الصحي السليم.

ويكشف النجار عن رصد حالات نادرة وخطيرة بين الأطفال، من بينها متلازمة “غيلان باريه” التي قد تؤدي إلى الشلل، فضلًا عن تهديدات حقيقية بعودة شلل الأطفال، بعد رصد سلالة من الفيروس في مياه الصرف الصحي، ما ينذر بكارثة صحية واسعة إذا استمر الانهيار القائم.

من جهته، يصف مدير عام وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي، عام 2025 بأنه عام صادم وغير مسبوق في تاريخ القطاع الصحي، خاصة فيما يتعلق بأوضاع المواليد. ويقول الوحيدي لـ صحيفة فلسطين إن القطاع سجل نحو 48,500 حالة ولادة خلال العام، نتج عنها أكثر من 49 ألف مولود، من بينهم قرابة 4,900 مولود بأوزان غير طبيعية، ونحو 4,000 حالة ولادة مبكرة.

ويضيف أن الوزارة وثّقت ولادة 315 طفلًا بتشوهات خلقية في القلب والمثانة وأعضاء أخرى، إلى جانب 6,600 حالة وفاة داخل الرحم، ونحو 5,000 حالة إجهاض قبل الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، فضلًا عن وفاة 450 طفلًا خلال الأسبوع الأول بعد الولادة.

ويؤكد الوحيدي أن نسبة الارتفاع في هذه الحالات تجاوزت 60% مقارنة بالأعوام التي سبقت الحرب، مرجعًا ذلك إلى استنشاق النساء الحوامل لغبار وبارود الصواريخ، وسوء التغذية والمجاعة، وانتشار الصرف الصحي، وانعدام النظافة، والعيش القاسي داخل خيام النزوح. ويشدد على أن “كل هذه العوامل مجتمعة تسببت بهذا العدد الكبير من المواليد المشوهين والوفيات خلال وبعد الولادة”.

من جانبها، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن الأطفال في غزة لا يزالون يدفعون ثمن الحرب رغم سريان وقف إطلاق النار. وقال المتحدث باسم المنظمة، جيمس إلدر، إن أكثر من 100 طفل قُتلوا منذ بدء التهدئة، بمعدل طفل واحد يوميًا، نتيجة الغارات الجوية والطائرات المسيّرة والقصف وإطلاق النار.

وأشارت إلى وفاة أطفال بسبب البرد القارس، مؤكدًا أن ما يُوصف بالهدوء لا يُعد كذلك وفق أي معيار إنساني، بل يمثل أزمة إنسانية حقيقية، مشددًا على أن بقاء الأطفال على قيد الحياة في غزة ما زال مشروطًا، وأن وقف إطلاق النار غير كافٍ طالما يستمر سقوط الضحايا وحرمان الأطفال من الإجلاء الطبي والعلاج.

في مركز إيواء الشارقة غرب غزة، تجلس أم محمد البردويل (32 عامًا) إلى جانب طفلها ذي الأعوام الثلاثة، الذي لا يتوقف عن السعال. تقول بصوتٍ متهدج: “ابني يعاني من مرض في الصدر، كل ليلة أسمع أنفاسه تختنق، لا دواء ولا حطب للتدفئة. الخيمة مفتوحة، والبرد ينهش جسده الصغير.”

أما أحمد المسحال، وهو أب لثلاثة أطفال نازحين من شمال القطاع، فيحكي عن معركة يومية مع البرد وسوء التغذية، قائلًا: “أطفالي ينامون وهم يرتجفون من البرد، وابنتي فقدت وزنها بشكل مخيف. الطبيب قال إنها تعاني من سوء تغذية وتحتاج إلى طعام خاص.” ويضيف بحزن: “أحيانًا أبكي عليها لأنني لا أستطيع توفير ما يلزمها.”

وفي خيمة مجاورة، يروي يزن شهاب قصته مع مولوده الذي وُلد قبل أوانه، قائلًا لـ صحيفة فلسطين: “وُلد ابني في الشهر السابع، ضعيفًا جدًا. قالوا إنه يحتاج إلى حضّانة، لكن المستشفى لا يملك الإمكانيات. أخاف أن أفقده في أي لحظة.” ثم يضيف: “حسبي الله ونعم الوكيل.”

وبين أرقام وزارة الصحة، وتحذيرات الأطباء، وبيانات اليونيسف، وشهادات الأهالي، تتكشف حقيقة واحدة: أطفال غزة يدفعون الثمن الأثقل لحربٍ وحصارٍ تجاوزا حدود الكارثة. أجسادهم الهشة لا تقوى على مقاومة الجوع والمرض والبرد، وطفولتهم تُستنزف يومًا بعد يوم، في انتظار تدخلٍ حقيقي يوقف هذا النزيف، ويمنحهم حقهم البسيط في الحياة.

اخبار ذات صلة