لا شكّ أن الحرب التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة خلّفت دمارًا واسعًا وخطيرًا طال قطاعات حيوية وأساسية في حياة السكان، ويأتي في مقدمتها قطاعا المياه والبيئة، بوصفهما ركيزتين مباشرتين لصحة الإنسان وبقائه.
لقد تعرّض أكثر من 80% من مرافق المياه في قطاع غزة للتدمير، بما يشمل آبار المياه، وخطوط نقل وتوزيع المياه، وخزانات المياه، ومحطات الضخ، ومحطات تحلية مياه الشرب، إضافة إلى شبكات مياه الصرف الصحي ومحطات ضخها ومعالجتها، وأنظمة الطاقة الشمسية والمولدات الكهربائية المشغِّلة لهذه المرافق. ولم يقتصر التدمير على البنية التحتية فحسب، بل طال أيضًا مقرات المؤسسات والبلديات المسؤولة عن إدارة قطاع المياه، بما تحتويه من أجهزة ومعدات ومختبرات ومركبات. وقد قدّر الخبراء، بشكل مبدئي، تكلفة إعادة الإعمار والصيانة بنحو 800 مليون دولار أمريكي.
هذا الدمار الواسع انعكس مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، حيث تقلّص نصيب الفرد من المياه من عدة عشرات من اللترات يوميًا قبل الحرب، إلى ما يقارب 20 لترًا يوميًا في المتوسط، وهو ما يمثل أقل من 20% من الكمية التي كانت متاحة سابقًا، وأدنى بكثير من المعايير الدولية المعتمدة. ولم تقتصر معاناة المواطن على قلة المياه فحسب، بل امتدت إلى مشقة الحصول عليها، إذ كان الكثيرون يقطعون مسافات تزيد عن كيلومتر واحد لجلب المياه، مع ما يرافق ذلك من عناء جسدي ونفسي، خاصة للأطفال وكبار السن.
كما أدت الحرب، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى تدمير أكثر من 70% من شبكات مياه الصرف الصحي، الأمر الذي تسبب في تسرّب المياه العادمة إلى الشوارع والطرقات، وعلى مقربة من خيام النازحين، ما شكّل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، وألحق أضرارًا جسيمة بالتربة والمياه الجوفية ومصادر المياه عمومًا.
وقد أسفرت حرب الإبادة الجماعية عن نزوح أكثر من مليوني إنسان من أماكن سكناهم، مرات متكررة، من مختلف مناطق القطاع التي دخلها الاحتلال ودمّرها بالقصف والتجريف والاشتباكات. ومع تدمير ما يقارب 80% من المناطق السكنية، انتشرت مخيمات النزوح في جميع أنحاء القطاع، من جنوبه إلى شماله مرورًا بوسطه، وهي مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات البنية التحتية، لا سيما شبكات الصرف الصحي. ونتيجة لذلك، يعتمد السكان على الحفر الامتصاصية للتعامل مع المياه العادمة، والتي تتسرّب بدورها إلى باطن الأرض، ملوِّثة المياه الجوفية، ومهيِّئة لانتشار الأمراض والأوبئة بين المواطنين.
ولا تقتصر معاناة سكان مخيمات النزوح على الحفر الامتصاصية وما تسببه من روائح كريهة ومخاطر صحية، بل تتعداها إلى النقص الحاد في مصادر المياه الصالحة للشرب والاستخدامات المنزلية، الأمر الذي انعكس سلبًا على الصحة العامة ومستوى النظافة الشخصية والبيئية.
وعلى مدار عامين من الحرب، ومع استمرار وجود الاحتلال في النصف الشرقي من قطاع غزة، تعذّر على فرق البلديات العاملة في قطاع النظافة الوصول إلى مكبات النفايات الرئيسية. وكنتيجة لذلك، انتشرت مكبات نفايات عشوائية داخل المناطق السكنية، غير مجهّزة وغير مهيّأة لهذا الغرض، ما خلق بؤرًا للتلوث ومكاره صحية خطيرة تهدد الإنسان والهواء والتربة والمياه الجوفية.
كما أن استخدام الاحتلال لمختلف أنواع الذخائر والمتفجرات والقنابل الضخمة والروبوتات المفخخة لتدمير الحجر والشجر وقتل الإنسان، خلّف تداعيات بيئية خطيرة على المديين المتوسط والبعيد. فهذه الذخائر تحتوي على عناصر ثقيلة وسامة مثل الرصاص والنيكل والزئبق والحديد، إضافة إلى مركبات نترات متفجرة، ومادة الـTNT، ومواد مشعة كاليورانيوم المنضب. وتُعدّ هذه المواد مسرطنة وخطيرة، ويشكّل اختلاطها بالتربة الزراعية أو المياه الجوفية، أو ملامستها المباشرة للإنسان، تهديدًا استراتيجيًا لصحة الإنسان، بشكل مباشر أو غير مباشر.
إن حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة لم تقتل الإنسان فحسب، ولم تدمّر الحجر والشجر فقط، بل خلّفت إرثًا بيئيًا خطيرًا سيطال أثره الأجيال القادمة، لا سيما في قطاعات المياه والصرف الصحي والبيئة. وستكون تكلفة معالجة هذه الآثار باهظة على مستوى صحة الإنسان، وأمنه الغذائي والمائي، والبيئة عمومًا، إذا لم يتم التنبه مبكرًا واتخاذ إجراءات جادة وفعّالة قبل فوات الأوان.
وبالتأكيد، يتحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة، المعنوية والمادية، عن جميع الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالشعب الفلسطيني في قطاع غزة نتيجة حرب الإبادة، وهو مطالب بتعويض الشعب الفلسطيني عن هذه الخسائر، وعن كل التبعات الكارثية التي خلّفتها هذه الحرب في مختلف القطاعات الحيوية.