يواجه الاقتصاد الإسرائيلي أزمة غير مسبوقة منذ أكثر من عامين، مع استمرار توقف ميناء إيلات عن العمل، وهو الميناء الوحيد للاحتلال على البحر الأحمر، الذي يمثّل شريانًا رئيسًا للتجارة مع آسيا وإفريقيا، وبوابة أساسية للنقل البحري والطاقة.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن هذا التوقف لا يقتصر على كونه تعطلًا تقنيًا مؤقتًا، بل يعكس أزمة بنيوية تكشف عن هشاشة النظام الاقتصادي الإسرائيلي أمام الصدمات الأمنية والسياسية، ويترك آثارًا مباشرة في الإيرادات الحكومية، وسلاسل التوريد، والاستثمارات المحلية والدولية، ما يضعف قدرة الاحتلال على التعامل مع الأزمات المستقبلية ويهدد استقرار الأسواق.
ويرى الاختصاصي الاقتصادي الدكتور هيثم دراغمة أن الخسائر المالية المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن توقف الميناء بلغت مستويات كبيرة، في وقت تتفاقم فيه التحديات اللوجستية ويزداد الضغط على الموانئ الأخرى، الأمر الذي يهدد استقرار الأسواق ويضعف قدرة الاحتلال على تنويع مسارات التجارة والتعامل مع الصدمات المستقبلية.
ويؤكد دراغمة لـ "فلسطين أون لاين" أن ميناء إيلات كان يشكّل أحد الروافد المالية الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي، إذ كانت عائداته تشمل الرسوم الجمركية، وإيرادات الشحن والتفريغ، والخدمات اللوجستية المرتبطة به، ما جعله عنصرًا مهمًا في الموازنة العامة، إلى جانب دعمه لنشاط التجارة الداخلية والخارجية.
ومع توقفه، فقدت الخزينة الإسرائيلية ملايين الشواقل شهريًا، ليس فقط من الإيرادات المباشرة، بل من مجمل النشاط الاقتصادي المرتبط بالميناء، في وقت تعاني فيه المالية العامة من ضغوط متزايدة بسبب الإنفاق الدفاعي المرتفع عقب الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
ويشير دراغمة إلى أن توقف الميناء زاد من الضغط على الموانئ الأخرى، لا سيما الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، التي باتت تعمل بطاقة تشغيلية تفوق قدرتها، ما أدى إلى ازدحام شديد، وتأخير في حركة الاستيراد والتصدير، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين، وتأجيل وصول البضائع إلى الأسواق والمستهلكين، الأمر الذي انعكس سلبًا على الأسعار وكفاءة سلاسل التوريد داخل الاقتصاد الإسرائيلي عمومًا.
ويضيف أن هذا الواقع أجبر حكومة الاحتلال على التفكير في إجراءات مكلفة، مثل تقديم دعم مالي مباشر للميناء لضمان استمرار العمليات، أو دفع تعويضات للشركات المتضررة، فضلًا عن تحمّل خسائر ناجمة عن تعطّل التجارة، وهو ما يشكّل عبئًا إضافيًا على المالية العامة في ظل الإنفاق الدفاعي المرتفع وأزمات السيولة المتكررة.
من جانبه، أكد الاختصاصي الاقتصادي خالد أبو عامر أن توقف الميناء أدى إلى تراجع دوره الاستراتيجي، إذ كان يشكّل البوابة البحرية الجنوبية الوحيدة للاحتلال على البحر الأحمر، ونقطة وصل مهمة مع الأسواق الآسيوية والأفريقية، كما كان منفذًا بديلًا لموانئ البحر الأبيض المتوسط في حالات الطوارئ، سواء لاستيراد المواد الخام أو تصدير المنتجات الصناعية والزراعية.
وأضاف أبو عامر لـ "فلسطين أون لاين" أن توقف الميناء قلّص قدرة الاحتلال على تنويع مسارات التجارة، وأضعف موقعه الاستراتيجي في تجارة الطاقة والنقل البحري، ما رفع مستوى المخاطر الاقتصادية في مواجهة أي أزمات مستقبلية.
وأشار إلى أن استمرار توقف الميناء يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين المحليين والدوليين، مفادها أن البيئة التشغيلية غير مستقرة وأن إدارة الأزمات الاقتصادية ضعيفة، ما قد يؤدي إلى عزوف استثماري طويل الأمد، لا سيما في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية الحيوية.
ونوّه أبو عامر إلى أن التداعيات لم تقتصر على الاقتصاد الكلي، بل امتدت إلى البعد الاجتماعي، إذ أدى توقف الميناء إلى تقلّص فرص العمل للبحّارة والعاملين فيه، وتراجع الطلب على الخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين، ما انعكس على دخل مئات العائلات، وزاد من صعوبة تأمين مستوى معيشي مستقر، في مشهد يعكس هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي أمام الصدمات الأمنية واللوجستية.

