- أكثر من 1193 خرقًا واستشهاد نحو 484 مواطنًا منذ وقف إطلاق النار
- عمّ الشهيد علاء الحرازين: طائرة "كواد كابتر" قتلته أثناء سيره قرب منزله
- العطار: قبل شهر أصبح منزلي خلف الخط الأصفر وأمس تعرّض للقصف
- طوطح: دبابة إسرائيلية خرجت فجأة على الخط الأصفر وأطلقت النار بكثافة
يُكثّف الاحتلال عدوانه على قطاع غزة، في امتدادٍ لإبادةٍ لم تتوقف، وخرقٍ واضح لاتفاقٍ لم يلتزم بأيٍّ من بنوده. وباتت الحياة على مقربة من الخط الأصفر شرق القطاع حربًا يومية مفتوحة، كأنها خارج نص الاتفاق، إذ لا يتوقف شلال الدم النازف بفعل القصف المستمر وإطلاق الرصاص الكثيف ليلًا ونهارًا، فضلًا عن القصف داخل عمق القطاع، واستهداف خيام النازحين في مناطق المواصي، ونسف مربعات سكنية، كما جرى أول أمس في مخيم البريج وسط القطاع.
في حيّ الزيتون شرق مدينة غزة، أطلقت طائرة مسيّرة عمودية من نوع "كواد كابتر" النار على الشاب علاء الدين محمود الحرازين (19 عامًا)، ظهر أمس، أثناء سيره قرب منزله، على بُعد يقارب 100 متر من الخط الأصفر. وبصعوبة بالغة، تمكّن عدد من الشبان من المجازفة بأرواحهم والتقدّم لانتشال جثمانه.
وكانت جنازة الحرازين على وشك الانطلاق من ساحة مستشفى "المعمداني" بمدينة غزة، حيث تجمّع أفراد العائلة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة، والصلاة على الجثمان.
ضريبة الحياة
يقف عمّه، ويُكنّى "أبو نضال"، بين الجموع، يروي لصحيفة فلسطين بقلبٍ محترق: "منذ أكثر من شهرين تسكن العائلة في بقايا منزلها، بعد أن استصلحت جزءًا منه لعدم توفّر مأوى، خاصة في ظل البرد القارس والشتاء، لكنهم يوميًا يدفعون ضريبة الحياة قرب الخط الأصفر، واليوم كانت الضريبة باستهداف ابننا بنيران الكواد كابتر".
وأضاف قبل انطلاق الجنازة، بعد الصلاة على الشهيد: "أطلقت المسيّرة النار على ابن أخي، وظل ينزف دون أن يتمكّن أحد من التقدّم لإسعافه. ناشدنا المنظمات الدولية للتنسيق مع الاحتلال لانتشال جثمانه، لكنها لم تستجب، فتقدّم بعدها أبناء العائلة والجيران وقاموا بسحبه".
وتقع منطقة الاستهداف مقابل مسجد "صلاح الدين" في حي الزيتون، حيث يتعرّض الأهالي يوميًا لاعتداءات متواصلة من جيش الاحتلال، تتكثّف ليلًا، فيحوّلها الاحتلال إلى لحظات مرعبة لا يتوقف خلالها عن إطلاق النار باتجاه المنازل، في ما يشبه "تمشيطًا يوميًا" للمنطقة، فضلًا عن نسف المربعات السكنية، وهو المشهد ذاته الذي يعيشه سكان حيّي الشجاعية والتفاح.
وفي غرفة العناية المركزة بمستشفى الشفاء بمدينة غزة، هدأت مخاوف عائلة طوطح، التي حبست أنفاسها انتظارًا لما يطمئنها من الأطباء، بعد استقرار الحالة الصحية لابنهم بهاء طوطح (18 عامًا)، الذي أُصيب بعيار ناري في الصدر، أطلقه جنود وآليات جيش الاحتلال أثناء سيره قرب مفترق "دولة" شرق حي الزيتون، برفقة ابن عمّه محمود.

ويروي محمود لصحيفة "فلسطين" تفاصيل الحادثة قائلًا: "كنا متوجهين نحو الجنوب قرب مفترق دولة، وفجأة رأينا دبابة إسرائيلية تقف على حافة الخط الأصفر، ثم فتحت النار بكثافة تجاهنا. لم يكن هناك أي ساتر نحتمي به، سمعت بهاء يصرخ: (أصابتني رصاصة)، ثم رأيت الدماء تنزف منه، فحملته فورًا، وأحضرنا عربة (كارو) ونقلناه إلى مستشفى المعمداني، ومنه إلى مستشفى الشفاء".

ورغم النقص الحاد في الإمكانيات والمعدات والأدوية، يواصل الأطباء في المستشفيات عملهم في ظروف بالغة الصعوبة، للتعامل مع الأعداد الكبيرة من المصابين والمرضى، في ظل منظومة صحية منهكة لم تتعافَ بعد من آثار العدوان الإسرائيلي، مع استمرار ارتكاب المجازر اليومية بحق الأهالي.
وفي السياق ذاته، وثّق المكتب الإعلامي الحكومي 1193 خرقًا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، منها 384 جريمة إطلاق نار مباشر ضد المدنيين، و66 جريمة توغّل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، و551 جريمة قصف واستهداف لمواطنين داخل الأحياء، إضافة إلى 192 جريمة نسف وتدمير لمنازل ومؤسسات وبنايات.
وأسفرت هذه الخروقات المستمرة عن استشهاد 484 مواطنًا، وإصابة 1206 آخرين، واعتقال 50 من أبناء غزة، في تأكيدٍ جديد على أن الاحتلال لم يوقف حربه اليومية على الأهالي.
نزوح مستمر
وأدّت الخروقات اليومية وحالة القصف شرق القطاع إلى موجات نزوح متواصلة في مختلف المناطق، بعدما عاد المواطنون إلى منازلهم التي استصلحوا أجزاءً منها، وعاشوا بين الركام متكيّفين مع واقعٍ قاسٍ لا يتوقف خلاله القصف وإطلاق النار.
صبيحة أمس، استيقظ عطية العطار على اتصال هاتفي من جاره، أبلغه فيه بقصف الاحتلال لمنزله الواقع شرق بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة. وكان العطار وعائلته ينتظرون بفارغ الصبر انسحاب الاحتلال والمليشيات المسلحة التي تقدّمت نحو منطقتهم، وأجبرت السكان على النزوح، ليقيموا لدى أقاربهم في منطقة "السلاطين" غرب البلدة، دون أن يتمكّن من نقل أغراضه ومستلزماته، لتصبح كلها تحت الركام بعد قصف المنزل.
بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عاد العطار إلى منزله، وبالرغم من الدمار الهائل في المنطقة، بقي منزله سليمًا. يقول لصحيفة فلسطين بنبرة حسرة: "عشنا شهرين في المنزل، وعادت الحياة نوعًا ما إلى المنطقة، رغم خروقات الاحتلال التي صبرنا عليها مجبرين لعدم وجود بدائل، لكن قبل شهر، وأثناء نومنا، تفاجأنا باقتحام عشرات المسلحين من المليشيات للمنطقة، وكان يرافقهم جرافة إسرائيلية قامت بإزاحة الخط الأصفر نحو الغرب".
وأضاف: "أصبح بيتي، الذي كان يبعد 300 متر عن الخط الأصفر، خلفه بنحو 50 مترًا، أي أصبحت ضمن منطقة سيطرة الاحتلال. قامت العصابات بتفتيش البيوت بحثًا عن الأهالي بعد منتصف الليل، لكنني بقيت متواريًا عن الأنظار، وفي الصباح غادرت المنطقة، وكنت أعود باستمرار لمراقبة البيت من بعيد، وكان الأمل يرافقني بالعودة إليه، حتى عدت ووجدته قد أصبح ركامًا، لينهار آخر أمل لي".
وكان منزل العطار، قبل النزوح منه ولاحقًا قصفه، نقطة استراحة للنازحين جنوب القطاع، الذين اعتادوا تفقد بيوتهم ومحاولة استصلاح أجزاء منها، إذ كانوا يمكثون بضعة أيام في بيته، باعتباره المنزل الوحيد القائم في المنطقة، إلا أن الاحتلال دمّره، ليسوّي بذلك كامل المنطقة بالأرض.
وعن حاله بعد النزوح، يوضح بمرارة: "لا نملك خيمة، ولا ملابس، ولا مستلزمات نزوح. خرجنا بأرواحنا من بطش الاحتلال والمليشيات التي جاءت لتقتلنا. توقّعت أن يستمر النزوح الجديد عشرة أيام، لكننا نعيش منذ شهر أوضاعًا صعبة بعيدًا عن منازلنا وبيوتنا".

