الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية أيتامٌ، فلا أب لهم، يعمل على تحريرهم من الأسر، ولا أم لهم تشفق عليهم وعلى عائلاتهم، وترضعهم حليب الصمود والصبر، الأسرى بلا رعاية وطنية، وبلا رقابة إنسانية، إنهم عشرات آلاف الأجساد التي تئن في الزنازين، وتتعذب خلف القضبان، بلا استفادة وطنية، وبلا مردود سياسي، عشر آلاف جثة ممددة على أرض السجن بإهمال، وبلا مستقبل، وبمصير مجهول، عشرة آلاف جثة إنسان في مقبرة، بلا قدرة على الفعل السياسي، والتأثير الميداني، هم مجرد أرقام موثقة في سجلات مصلحة السجون، لا سيطرة لهم على حياتهم الخاصة خلف الأسوار، ولا حضور وطني لهم يفيد قضيتهم، إنهم أكوام من اللحم الممزق بالوجع، تنتظر المجهول، وتنتظر أن يمن عليهم العدو ببعض الراحة، أو بعض الطعام.
حال السجون هذه الأيام غير مسبوق من الإهمال والتجاهل، ولم تشهد السجون الإسرائيلية من قبل مثل هذا التعذيب للجسد الفلسطيني، وهذا الخراب والدمار للنفس البشرية، وعلى سبيل المثال:
في الصباح وفي المساء وعند الظهيرة وفي منتصف الليل، على الأسرى الفلسطينيين أن يقفوا منتظمين في صفوف ينتظرون العدد، حيث يدخل طاقم إدارة السجن إلى الغرف، ويبدأ بعد الأسرى، وعلى الأسرى الفلسطينيين أن يظلوا واقفين في انتظار ضباط السجن حتى يكتمل عد كل السجناء، بعد ذلك يسمح للأسرى بالجلوس.
ومع دقات الساعة السادسة صباحاً، يتم لملمة الفراش والبطاطين، ولا يسمح للسجناء أن يمدوا أجسادهم، أو أن يستريحوا طوال اليوم، فهم بلا فراش إلى أن يأتي الليل، موعد النوم، وقتئذِ يتسلم الأسرى فراشهم للنوم، ليتم تسليمه صباحاً لإدارة السجن.
الضرب والإهانة ورش الغاز بشكل مهين ومقصود لا يهدف إلى ضبط سلوك الأسرى، بل يهدف بشكل متعمد إلى إهانة وإذلال الأسرى، وبث الرعب في نفوسهم.
تلك بعض أشكال المعاناة التي لم تشهدها السجون الإسرائيلية طوال عشرات السنين، إذ تمكن السجناء عبر سنوات نضالهم الطويلة من انتزاع الكثير من سبل الراحة المعيشية خلف الأسوار، حتى جاءت المرحلة الراهنة، مرحلة ما بعد اتفاقية أوسلو، فاسترجع العدو الإسرائيلي كل ما حققه الأسرى من امتيازات على مدار عشرات السنين.
فقبل التوقيع على اتفاقية أوسلو، كان الأسرى يهددون بالإضراب عن الطعام، لتبدأ المفاوضات بين ممثل الأسرى، وبين إدارة السجن لإدخال تحسينات على حياة الأسرى، دون أن يخوضوا الإضراب، اليوم لا يستطيع الأسرى أن يهددوا بالإضراب، ولا يقدر الأسرى على الإضراب الفعلي عن الطعام، فهم يعرفون النتائج، فالإضراب عن الطعام ليس أسيراً يتحدى بأمعائه صلف السجان، الإضراب عن الطعام مرتبط بالطرف الآخر، بإدارة السجن التي كانت تخشى في السابق من ردة فعل المجتمع الفلسطيني، ومنع الإضراب سياسة إسرائيلية عليا كانت تحرص على الهدوء، وعدم استفزاز الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، إنه الشعب الغاضب الذي كان يعمل له العدو ألف حساب، وهذا الذي مات مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الراهنة، وهي تضبط الأمن في الضفة الغربية بالشكل الذي يتمناه العدو، وهذه السلبية يدركها الأسرى الفلسطينيون خلف الأسوار، وتقصقص أجنحتهم عن المواجهة، وتغيير أحوالهم البائسة.

