على رصيف ضيق وسط مدينة غزة، يعيش النازح قسرًا من جباليا عبد الخالق منون (73 عامًا) مع ابنته، مستترًا بقطعةٍ قماشية بالية لا تحجب عنه البرد، ولا تقيه المطر، بينما يترقب دون حول أو قوة منخفضا جويا جديدا متوقعا اليوم.
"ايش بدي أسوي ووين بدي أروح؟"، سؤالان يطرحهما الرجل المسن، لا إجابة عنهما، سوى الاستمرار في واقع إنساني كارثي يشترك فيه مع مئات الآلاف من النازحين، الذين يفتقرون إلى الإيواء، وتتطاير خيامهم مع العواصف، دون حل يلوح في الأفق.
لكن حتى الخيمة لا يملكها منون، الذي يقول إنه لم يستلم من أي مؤسسة دولية مساعدة تتعلق بالإيواء.

ورغم سريان اتفاق وقف حرب الإبادة الجماعية في 10 أكتوبر/تشرين الأول، فإن المعطيات الرسمية تشير إلى أن واقع الكارثة الإنسانية في غزة يتفاقم مع تنصل الاحتلال من التزام البروتوكول الإنساني، ومنعه إدخال الكرفانات، أو مواد إعادة الإعمار.
وتتوقع الأرصاد الجوية، تأثر فلسطين بمنخفض جوي اليوم مصحوبا بكتلة هوائية باردة، وأن يطرأ انخفاض ملموس على درجات الحرارة ليصبح الجو باردا الى شديد البرودة وعاصفا وتسقط زخات متفرقة من الأمطار فوق معظم المناطق تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية وتساقط زخات من البرد أحيان.
ووفق الموقع الإلكتروني للأرصاد، تكون الرياح غربية الى شمالية غربية نشطة السرعة مع هبات قوية أحيانا تصل سرعتها في بعض الهبات الى 70 كم / ساعة والبحر مائجا.
منون الذي يكسوه الشيب، ويسير بحذر في شوارع غزة المدمرة، شرده الاحتلال قسرًا، بعد أن حول منزله في بلدة جباليا شمال قطاع غزة إلى أثر بعد عين، واليوم يواجه ظروفًا معيشية لا آدمية.
ومع حلول كل منخفض، تتكرر المأساة. يقول الرجل الذي يعاني من مرضي السكري والضغط، لصحيفة "فلسطين": اليوم منخفض جوي جديد، يعني ذلك أننا على موعد مع الغرق، كما ترى مياه الأمطار ستضربنا من كل اتجاه، ولا يكاد هذا الشادر يقي عنا منها إلا القليل.
يشير بيديه إلى أمتعته، في مكان نزوحه الذي لا يتجاوز بضع مترات، قائلا: في المنخفض السابق، كان كله غارقا بالماء: الفراش، والوسادة، والبطانية أيضًا.
وتضيف هذه المعاناة ملحا على جرح منون الذي استشهد ثلاثة من أبنائه، وثلاثة من أحفاده، وإحدى بناته مع زوجها، في خضم حرب الإبادة التي بدأها الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
خرقة بالية
ليس بعيدًا عن والده، يعيش نعمان منون المأساة نفسها، فهو يفتقر حتى إلى وجود خيمة، ويؤوي مع زوجته وطفليه إلى مكان ضيق على أنقاض المجلس التشريعي المدمر في غزة، ويستتر بشادر مهترئ أيضًا.
ونعمان استشهد ابنه الأكبر خلال حرب الإبادة، وأصيب هو في قدمه، كما يعاني من أزمة صدرية، في ظل انعدام مقومات العيش، ومصادر الدخل.
قبيل المنخفض الجوي كان الرجل يتمدد على فراشه، وهو ما قد لا يستمر طويلا، بحلول الأمطار التي ستحيل أمتعته إلى خرقة بالية لا تصلح للاستخدام الآدمي.

يقول نعمان لصحيفة "فلسطين": كما ترى، ليست لدينا استعدادات أو إمكانات لاستقبال منخفض جوي جديد، مشيرًا إلى أن "الشادر" لا يقوى على مواجهة كثافة مياه المطر، كما حصل في منخفضات سابقة.
ويشتكي الرجل من عدم حصوله على خيمة من أي مؤسسة دولية، وهو ما أجبره على تجميع بعض الحديد، كسقف مؤقت، وتغطيته بشادر مهترئ.
مكان مكشوف وجو ساحلي
وسط مدينة غزة أيضًا، يعتلي الشاب خالد حمد كرسيا، لمحاولة ربط بعض الشوادر بمساعدة أطفاله قبيل دخول المنخفض الجوي، الذي بات يمثل له بوابة للمزيد من المعاناة.
حمد، النازح قسرًا من بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، يقول لصحيفة "فلسطين": خلال المنخفضات السابقة غرقت الخيام والفراش والطعام، ووصلت مياه الأمطار إلى الأطفال.
يحاول تثبيت الشادر قبل أن يتطاير، مضيفا: أطفالي يعيشون تحت بعض الأقمشة والشوادر المهترئة، هذا وضع شديد القسوة، كنا في بيوتنا قبل الحرب نعاني من البرد، فما بالك اليوم في مكان مكشوف، وفي جو ساحلي؟.

ينعكس انعدام الإيواء على صحة الأطفال، الذين يكونون عرضة للأمراض والبرد، كما يقول حمد، ويرتجف كل منهم، طالبا شيئًا من الدفء المنشود.
يقارن بين حياته سابقا، ومعاناته من الكارثة الإنسانية الناجمة عن حرب الإبادة: كان كل اثنين من أطفالي يعيشون في غرفة، لكننا لم نعد نجد أدنى مقومات المعيشة، التي لا ترتقي لتكون بشرية.
أبعاد كارثية
يسلط واقع منون وحمد الضوء على أبعاد كارثية يعيشها النازحون، فقد خرجت أكثر من 127,000 خيمة عن الخدمة، ولم تعد صالحة لتوفير الحد الأدنى من الحماية لما يزيد عن 1.5 مليون نازح، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 28 ديسمبر/كانون الأول.
كما سُجّلت وفاة طفلين اثنين نتيجة البرد الشديد داخل خيام النازحين، بحسب البيان ذاته. ولم تكن المباني الآيلة للسقوط بفعل القصف الإسرائيلي، التي لجأ إليها نازحون في ظل انعدام وجود مأوى آمن، أفضل حالا، فقد انهار 49 منزلا ومبنى ما أسفر عن استشهاد 20 مواطنا.
أمام هذا الواقع، تتعالى الصرخات الإنسانية للنازحين الذين يطالبون بحل مؤقت يتمثل بتوفير الكرفانات.
يقول المسن منون: الكرفان أفضل من الخيمة، وإن كنت لم أحصل عليها أصلا. أطالب العالم بالعمل على توفير كرفان لي ولابنتي.
يشترك ابنه معه في هذا المطلب الذي يبدو كـ"أمنية"، مبديا تطلعه إلى العودة إلى مكان سكنه في جباليا، والعيش في كرفان لحين إعادة بناء بيته الذي دمره الاحتلال.
ويصف حمد بدوره، الكرفانات بأنها الحل الأيسر في الوقت الحالي، على أن تتوفر فيها متطلبات المعيشة، والمساحة المناسبة، لكنه يشدد على أن الحل الوحيد الدائم هو إعادة الإعمار.
لكن أيًا من هؤلاء النازحين لا يملك يقينا فيما إذا كان أحدًا في العالم سيسمع صرخته، أم أنهم سيُتركون في مواجهة منخفض تلو آخر.


