أثار قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) فصل عدد من موظفيها الذين اضطروا إلى مغادرة قطاع غزة قسرًا بسبب الحرب موجة واسعة من القلق والتحذير، وسط مخاوف من تداعيات إنسانية واقتصادية واجتماعية عميقة، لا تقتصر على الموظفين المفصولين وعائلاتهم، بل تمتد لتطال سوق العمل والمجتمع الفلسطيني وقضية اللاجئين برمّتها.
ويرى مراقبون ونقابيون أن هذا القرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، في وقت يعاني فيه قطاع غزة من أعلى معدلات البطالة والفقر، في ظل توقف معظم القطاعات الإنتاجية، وانهيار مصادر الدخل، واعتماد آلاف الأسر على رواتب الأونروا بوصفها رافدًا أساسيًا للبقاء.
وقال الخبير الاقتصادي محمود العف إن قرار فصل موظفي الأونروا الذين غادروا غزة قسرًا بسبب الحرب يحمل تداعيات خطيرة على المستويين الإنساني والاقتصادي، ويشكّل عقوبة جماعية بحق موظفين لم يغادروا بإرادتهم، بل هربًا من القصف وحفاظًا على أرواحهم وأسرهم.
وأوضح العف لصحيفة «فلسطين» أن القرار ينعكس بشكل مباشر على الموظفين المفصولين وعائلاتهم، الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مصدر دخل، ما يضعهم أمام خطر البطالة والفقر، خاصة في ظل ظروف النزوح والاغتراب، وحاجتهم المتزايدة إلى الدعم لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
وأضاف أن الأثر غير المباشر لا يقل خطورة، إذ يسهم القرار في تعميق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها قطاع غزة، حيث تُعد رواتب الأونروا أحد أبرز روافد الاقتصاد المحلي ومصادر السيولة في السوق، لا سيما في ظل القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على حركة الأموال ومصادرها.
من جانبه، حذّر الدكتور نور أبو الرب من أن فصل موظفي الأونروا، ولا سيما الذين اضطروا إلى مغادرة قطاع غزة بسبب الحرب، يشكّل مؤشرًا خطيرًا على مسار متدرج يستهدف تصفية الوكالة وتقويض دورها الإنساني والسياسي.
وأوضح أبو الرب لـ«فلسطين» أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن الهجمة المتواصلة على الأونروا، معتبرًا أنها تمثل محاولة عملية لتجفيف مواردها البشرية وإضعاف بنيتها الوظيفية، تمهيدًا لتقليص خدماتها أو وقف عملها بالكامل.
وأشار إلى أن استهداف الوكالة لا ينعكس فقط على آلاف الموظفين وأسرهم، بل يمس جوهر قضية اللاجئين الفلسطينيين، إذ تمثل الأونروا شاهدًا دوليًا على حق العودة، وأي مساس بدورها يصبّ في خدمة مخططات الاحتلال الرامية إلى شطب قضية اللاجئين من الأجندة الدولية.
بدوره، حذّر سامي العمصي، نقيب العمال في غزة، من أن فصل موظفي الأونروا في هذا التوقيت الحرج سيؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات البطالة، التي وصلت أصلًا إلى مستويات قياسية في قطاع غزة بفعل الحرب وتوقف معظم القطاعات الاقتصادية.
وأكد العمصي لـ«فلسطين» أن مئات الأسر ستفقد مصدر دخلها الوحيد، ما سيدفعها إلى دائرة الفقر والعوز، ويزيد من الضغط على سوق العمل الذي يعاني من شبه شلل، في ظل غياب فرص العمل وانعدام البدائل.
وأضاف أن القرار ستكون له انعكاسات اجتماعية خطيرة، تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وتفاقم الأزمات المعيشية، وازدياد حالة الإحباط واليأس في أوساط العمال، محذرًا من أن استمرار هذه السياسات يهدد ما تبقى من مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي في قطاع غزة.
ويجمع المختصون والنقابيون على أن فصل موظفي الأونروا الذين غادروا القطاع قسرًا بسبب الحرب لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري معزول، بل يأتي في سياق سياسي واقتصادي أوسع، يتقاطع مع محاولات تقييد عمل الوكالة وإضعاف دورها، في وقت يعيش فيه سكان قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخهم.