قائمة الموقع

بمأساة الفقد والنزوح.. الغزيون يرقبون رمضان وسط تداعيات الحرب

2026-02-17T16:18:00+02:00
في خيمة بمدينة غزة يقيم رائد حجاج مع زوجته وابنه بعدما دمر الاحتلال منزله في حي الشجاعية
فلسطين أون لاين

في مركز إيواء "مصطفى حافظ" بغزة تتحسس نوال حجيلة رأس حفيدها الجريح جود، الذي يغيب عنه أي مظهر لاستقبال ثالث شهر رمضان يحل في خضم حرب الإبادة الجماعية، وكأنها تتلمس بيدها مأساة أعمق، وقد فقدت خمسة من أبنائها شهداء.

صباحا، جلست نوال مع رفيقاتها في رحلة النزوح، لتنعم بشيء من أشعة الشمس الباهتة بهذا المركز الذي كان مدرسة لتعليم الإناث، لكنه اليوم يؤوي المئات من النازحين. وهناك تسير الحياة المعيشية اليومية بذات القسوة، "وربما أسوأ" كما تقول والدة الشهداء لصحيفة "فلسطين".

ويبدو اتفاق وقف الحرب، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول، منفصلًا بفعل تعنت الاحتلال عن واقع مئات الآلاف من النازحين، الذين يفتقرون لأدنى مقومات العيش والإيواء، ولا يزالون يودعون المزيد من الشهداء، ويستقبلون العديد من الجرحى يوميا.

طالع المزيد: أسواق غزة تستقبل رمضان بين غلاء الأسعار وغياب مظاهر الفرح
 


وفي صفوف محدودة المساحة، يتشارك النازحون قسرًا تفاصيل حياة لا تشبه الحياة. في أحد تلك الصفوف تعيش نوال التي ترعى أحفادها منذ أن استشهدت والدتهم في مجزرة إسرائيلية قبل أشهر، تعرضت لها العائلة في مركز الإيواء ذاته، وأدت أيضًا لاستشهاد حفيد لها كان يستعد للزواج.

وبينما تستعد دار الإفتاء لاستطلاع هلال شهر رمضان اليوم، يحاصر واقع النزوح والفقد "أم إياد"، التي تقول: "هذا شهر خير وبركات، رغم الجراح التي أصبنا بها وفقدنا أحبابنا".

وتنحدر السيدة من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وقد دمر الاحتلال منزلها الواقع ضمن ما تسمى المنطقة الصفراء التي يسيطر عليها بالقوة العسكرية، متنصلا من استحقاق انسحابه لما يعرف بالخط الأحمر بموجب المرحلة الثانية من الاتفاق.


ومن منظورها، فإن المأساة تفاقمت عما كانت عليه بالسابق، موضحة أن حي الشجاعية كان فيه بعض الحياة في شهر رمضان من العام الفائت، لكن الاحتلال يسيطر اليوم على أجزاء أوسع من هذا الحي.

وتروي أنها زارت شقيقتها على أطراف الحي حديثا، "وهناك بكينا دما بدل الدموع، نظرا إلى أن مشهد الشجاعية اختلف للأسوأ"، بسبب جرائم الاحتلال.

"بالاسم فقط.."

معيشيا، تصف نوال الوضع بأنه صعب جدا، مشيرة إلى أن وقف إطلاق النار هو بالاسم فقط، في ظل ظروف مالية صعبة يعيشها الأهالي الذين دمر الاحتلال ممتلكاتهم ومصادر دخلهم.

وتوضح أنها تعيش على ما يتيسر لها من مساعدات إنسانية محدودة أو بعض الطعام الذي تقدمه التكيات، لكنها تواجه عجزا على شراء السلع أو المنتجات.

تشير بيدها إلى حفيدها جود، قائلة: إنه يعاني من حروق، ويحتاج إلى العلاجات والطعام والشراب. أنا أيضًا أحتاج إلى الأدوية الخاصة بمرضي الضغط والقلب، لكن بالكاد أجدها.

وعن سؤال بشأن زينة رمضان، يقول جود (4 أعوام) إنه يعلم بقرب حلول شهر رمضان، لكنه لم يحصل على فانوس بعد. وتقول جدته: إنها رغم عدم امتلاكها المقومات المالية، قد تستدين لتوفير الزينة له، كي تدخل الفرح إلى قلبه.


ويقول الأهالي في مركز الإيواء، إن ما يمنع تعليق الزينة الخاصة بشهر رمضان هو عدم توفر الإمكانات المالية.

وتطالب نوال، اللجنة الوطنية لإدارة غزة المشكلة حديثا بالعمل على توفير المأكل والمشرب والكرفانات للنازحين في غزة، خصوصا خلال شهر رمضان، مشيرة إلى أن الحسرة تأكل قلوب المعذبين من تداعيات حرب الإبادة.

في ظل هذا الواقع، تتشارك سها حجيلة المعاناة ذاتها مع شقيقتها، قائلة لصحيفة "فلسطين": "نستقبل شهر رمضان بمأساة الفقد". واستشهد نجل سها في خضم حرب الإبادة.

ولا تلمس سها أي تغيير للأفضل في الأوضاع المعيشية، التي تقول إنها كما هي رغم اتفاق غزة، "لكن يجب أن نستقبل رمضان باهتمام فهو شهر خير وبركة".

"تحت الصفر.."

أمام غرفة صفية أخرى، تغسل علياء الفيومي (70 عاما) بعض البطانيات قبل أن تزيح المياه المتراكمة على الأرض. تعيش المسنة في هذا المكان مع 30 فردا هم أولادها وزوجاتهم وأحفادها وبناتها. "تعال شوفنا، بنتكدس في الصف بسبب ضيق المساحة"، تختصر المسنة بهذه الكلمات واقعها المعيشي.

وتدلل لصحيفة "فلسطين"، على صعوبة واقعها بافتقار العائلة حتى إلى الفراش، موضحة أنها اضطرت إلى غسل البطانيات المهترئة التي ينام عليها الأطفال والكبار منذ مدة طويلة.


وبينما تبرق الدموع في عينيها، تقول علياء لصحيفة "فلسطين": "بالشهداء والدماء النازفة نستقبل رمضان"، مضيفة أن الشهر المبارك يحل بينما لايزال الاحتلال يقتل ويصيب المواطنين، ويعاني الأيتام من فقد آبائهم، وتتفاقم الأزمات المعيشية.

لكنها توضح أن الأهالي في غزة يستقبلون هذا الشهر بحرص "لأن الله فرضه علينا"، معربة عن أملها في أن يحمل رمضان الخير والسلامة لهم.

وخلال الحرب، استشهد ابن وحفيد لها واثنان من أزواج بناتها ما ترك آثارا سلبية في حياة علياء، التي تقول: "هينا قاعدين مرميين لا النا دار ولا مال، صرنا تحت الصفر".

وكانت هذه السيدة تقيم في منطقة الشعف بغزة، لكن الاحتلال دمره أيضًا، ولا تستطيع الوصول إلى مكانه بفعل سيطرته العسكرية عليه.

ولا تزال المعاناة التي عاشتها منذ أن شن الاحتلال الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حاضرة في طيات نزوحها الحالي. ولطالما تنقلت علياء من مركز إيواء لآخر تحت النيران.

وفي ظل انتهاكات الاحتلال المتكررة لاتفاق وقف الحرب، تقول: "وينه وقف إطلاق النار؟"، مشيرة إلى أن الخوف ينتابها خصوصا في فترات الليل من أن تنصب عليها القذائف والصواريخ الإسرائيلية.

وكما هو حال منال وسها، تعاني علياء من انعدام مصادر الدخل، ويضاف إلى ذلك محدودية قدرة النازحين في الوصول إلى المياه سواء للغسل أو الشرب، ما يمثل عبئا مضاعفا على كاهلهم.

أمل وألم

لا يختلف المشهد كثيرًا في خيام النزوح. فهناك ينهمك المواطنون أيضًا في هموم الحياة اليومية، ويرقبون شهر رمضان بأمل وألم.


 

وفي خيمة بمدينة غزة يقيم رائد حجاج مع زوجته وابنه، بعدما دمر الاحتلال منزله في حي الشجاعية. يقول لصحيفة "فلسطين": "في رمضان الفائت كان بيننا أحبة نعيش اليوم بدونهم... الحزن يملأ قلوبنا مع حلول رمضان لكن نحتسب الأمر عند الله".

وفي ركن رملي بجوار الخيمة، تتناثر الأواني والأكواب التي تستخدمها زوجته في طهي بعض الطعام، دون أن تملك العائلة حيلة لتوفير ظروف أفضل للعيش مع استمرار تداعيات الحرب، كما أنها تضطر لإشعال الأوراق والنايلون لإعداد الطعام في ظل شح الغاز.

يضيف حجاج: مررنا العام الماضي بمجاعة صعبة، واليوم لا نملك المال لشراء احتياجاتنا مرتفعة الأسعار. الناس يستقبلون رمضان بجيوب خاوية. وتعتمد العائلة على ما توفره بعض التكيات أو ما تحصل عليه من طرود غذائية شحيحة، وفي حال غياب تلك المساعدات "سنكسر صيامنا على تمرة"، يتابع حديثه.

ورغم ميول الطقس للبرودة في فصل الشتاء، فإن حجاج لم يحتمل الجلوس في الخيمة لبعض الوقت وقت الظهيرة، إذ تحولت لما يشبه فرنا قماشيا، وهو أحد التحديات التي يواجهها.


ويتمنى حجاج أن تمثل لجنة إدارة غزة بريق أمل له وللنازحين، قائلا: "أرجو أولا تمكين هذه اللجنة من العمل. نحن نعرف أن الجانب الآخر (الاحتلال) لا يسمح لها بالعبور إلى القطاع".

ويطالب اللجنة فور دخولها بأن تضع يدها "على الوجع"، وأن توفر المأوى المناسب للنازحين، وتزيل الركام، في ظل فشل الخيام "على مدار سنتين ونصف من العذاب"، وفق وصفه، مؤملا أن تنعم غزة بالأمن والأمان.

وفي انتظار ذلك، يحلّ رمضان الثالث، فيما لا يزال النزوح والفقد عنوان الحياة في غزة.

اخبار ذات صلة