في قطاع غزة، حيث لا يتوقف القصف منذ أكثر من عامين، لا تقتصر آثار الحرب على الدمار الظاهر والضحايا المباشرين، بل تمتد إلى إصابات صامتة تُغيّر حياة آلاف الأطفال إلى الأبد.
فقد كشف تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية، استنادًا إلى تحقيق ميداني أجرته جمعية أطفالنا للصم، عن تفشي حالات فقدان السمع بين الأطفال والبالغين، في واحدة من أخطر التداعيات الصحية غير المرئية للحرب.
وبحسب التقرير، فإن نحو 35 ألف شخص في غزة فقدوا سمعهم جزئيًا أو كليًا، ليس فقط نتيجة الإصابات المباشرة، بل بسبب الموجات الصوتية العنيفة التي تخلفها الانفجارات، والتي تُلحق أضرارًا دائمة بالأعصاب السمعية، مهددة بنشوء جيل كامل من الأطفال الصم أو ضعاف السمع، في ظل غياب العلاج والدعم الطبي.
وأشار إلى أن هذه الإصابات تنذر بظهور جيل كامل من الأطفال ضعاف السمع أو الصم، في ظل غياب الإمكانيات الطبية والتأهيلية، واستمرار الحصار ومنع إدخال المعدات اللازمة للعلاج وإعادة التأهيل.
وسلط التقرير الضوء على قصص إنسانية مؤلمة تجسد حجم المأساة، من بينها الطفلة دانا (12 عامًا)، التي فقدت سمعها بالكامل إثر انفجار صاروخي وقع بالقرب من غرفتها.
وأوضح مختصو الجمعية أن العصب السمعي للطفلة تعرض لتلف بالغ لا يمكن علاجه حاليًا، ما جعل التواصل داخل الأسرة تحديًا يوميًا، في ظل عدم إتقان لغة الإشارة، وغياب البرامج التأهيلية والدعم النفسي.
كما أورد التقرير قصة الرضيع أيان القرا، الذي دُفن تحت الرمال بعد انفجار صاروخي قرب خيمة نزوح عائلته.
ورغم نجاته من الموت، إلا أنه يعاني من فقدان كامل للسمع، ويحتاج بشكل عاجل إلى جهاز سمعي أو زراعة قوقعة، لتفادي تأخر النمو اللغوي والمعرفي، وما قد يرافقه من آثار نفسية وتعليمية عميقة.
وبيّن التقرير أن غالبية العائلات غير قادرة على توفير هذه الأجهزة لأطفالها، في ظل الحصار المفروض على القطاع، ومنع إدخال أجهزة السمع والبطاريات والمستلزمات الطبية، مشيرًا إلى أن هذه المعدات لم تدخل غزة منذ قرابة عام كامل.
ولفت إلى أن تدمير البنية التحتية الصحية، وخروج عدد كبير من الكوادر الطبية المتخصصة من القطاع، فاقم الأزمة، وحرم آلاف الأطفال من فرص التشخيص المبكر والعلاج والتأهيل، ما يهدد بتحول الإعاقة المؤقتة إلى دائمة.
وفي هذا السياق، أكد المدير العام لجمعية أطفالنا للصم، فادي عابد، أن سوء التغذية الحاد، والاكتظاظ في مخيمات النزوح، وانعدام الرعاية الصحية الأولية، عوامل مرشحة لزيادة حالات الإعاقة السمعية، خاصة بين الأطفال حديثي الولادة، محذرًا من تفشي الالتهابات السمعية وتأخر النمو اللغوي والاجتماعي لدى هذه الفئات.
وأوضح التقرير أن أزمة فقدان السمع في غزة لا يمكن فصلها عن الصورة الإنسانية الأشمل، إذ تشهد أعداد متزايدة من الأطفال إعاقات جسدية وتشوهات دائمة، في ظل استمرار الحرب والحصار وانهيار المنظومة الصحية.
ويخلص التقرير إلى أن فقدان السمع في غزة لم يعد حالة طبية فردية، بل أزمة جماعية مرشحة للتفاقم، في ظل استمرار الحرب وغياب أي أفق للعلاج أو التأهيل.
ويحذّر مختصون من أن التأخر في توفير أجهزة السمع وزراعة القوقعة وبرامج الدعم النفسي والتعليمي سيؤدي إلى عزل آلاف الأطفال عن محيطهم، وحرمانهم من حقهم في التعلم والتواصل.
وفي ظل نظام صحي منهك وحصار يمنع دخول المعدات الطبية، يحذر التقرير من أن تتحول هذه الإعاقات إلى واقع دائم، يرافق جيلًا كاملًا من أطفال غزة مدى الحياة.
ويؤكد أن ما يحدث اليوم هو تدمير بطيء لقدرات الأطفال، لا تقل خطورته عن الدمار الذي تُخلّفه القنابل، محذرًا من أن آثار هذه الحرب ستظل حاضرة طويلًا، حتى بعد توقف القتال.

