فلسطين أون لاين

مدير جهاز الدفاع المدني في محافظة غزة رائد الدهشان لـ "فلسطين":

حوار 10 آلاف جثمان تحت الأنقاض يمكن انتشالها خلال ثلاثة أشهر إذا توافرت المعدات

...
مدير جهاز الدفاع المدني في محافظة غزة العميد الحقوقي رائد الدهشان
غزة/ جمال غيث:
  • نعمل بأقل من 7% من قدراتنا بعد تدمير 85% من معداتنا
  • 10 آلاف جثمان تحت الأنقاض يمكن انتشالها خلال ثلاثة أشهر إذا توافرت المعدات
  • فقدنا 142 شهيدًا و352 جريحًا من طواقم الدفاع المدني خلال أداء واجبهم الإنساني
  • نُنقذ بأيدٍ فارغة وتحت الاستهداف.. والدفاع المدني في غزة يُترك وحيدًا أمام الكارثة

قال مدير جهاز الدفاع المدني في محافظة غزة، العميد الحقوقي رائد الدهشان، إن جهاز الدفاع المدني يواجه واحدة من أخطر وأقسى المراحل في تاريخه، في حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، والتي لم تكتفِ باستهداف المدنيين ومنازلهم، بل طالت طواقم الإنقاذ والإسعاف ومقرات العمل والمعدات، ما أدى إلى شلل شبه كامل في القدرة التشغيلية للجهاز.

وأوضح الدهشان، في حديثه لصحيفة «فلسطين»، أن الدفاع المدني يحتاج إلى ثلاثة أشهر فقط لاستخراج جميع الجثامين العالقة تحت أنقاض المنازل المدمرة، والمقدّر عددها بنحو 10 آلاف جثمان، في حال سُمح بإدخال المعدات الثقيلة والآليات اللازمة لعمليات البحث والإنقاذ.

وشدد على أن استمرار منع إدخال هذه المعدات سيجعل عملية الانتشال بطيئة للغاية، وقد تمتد إلى أكثر من عشر سنوات، ما يفاقم الكارثة الإنسانية ويُبقي آلاف العائلات في دائرة الانتظار المؤلم.

photo_2026-01-08_17-01-08 (4).jpg
 

قدرات شبه معدومة

وبيّن الدهشان أن جهاز الدفاع المدني دخل الحرب وهو يعمل أصلًا بقدرات لا تتجاوز 45%، نتيجة الحصار المستمر منذ أكثر من 17 عامًا، ومنع إدخال سيارات الإطفاء والإنقاذ والمعدات الحديثة.

ومع تصاعد العدوان، فقد الجهاز نحو 85% من معداته، ليعمل اليوم بما لا يزيد عن 5 إلى 7% فقط من قدراته الفعلية قبل الحرب، وفق الدهشان.

وأضاف: «نعمل اليوم بإمكانات بدائية للغاية، وبالأيدي العارية في كثير من الأحيان. فقدنا معظم سيارات الإطفاء، وسلالم الإنقاذ الهيدروليكية، وسيارات الإسعاف، وخزانات المياه، والمعدات الثقيلة القادرة على رفع الكتل الخرسانية».

وأشار إلى أن محافظة غزة، وهي الأكبر من حيث الكثافة السكانية، لم يتبقَّ لديها سوى سيارة إطفاء واحدة، وسيارة إنقاذ واحدة، وسيارة إسعاف واحدة، بعدما كانت قبل الحرب تمتلك خمس سيارات إطفاء، وخمس سيارات إنقاذ، وسلّمًا هيدروليكيًا، وعدة مركبات إسعاف مجهزة بالكامل.

photo_2026-01-08_17-01-08.jpg
 

شهداء وجرحى

وكشف الدهشان أن جهاز الدفاع المدني فقد 142 شهيدًا من كوادره خلال أداء واجبهم الإنساني، معظمهم من أصحاب الخبرات الطويلة التي تراكمت على مدى 15 إلى 30 عامًا في مجالات الإنقاذ والإسعاف.

كما أُصيب 352 من أفراد الطواقم بإصابات خطيرة أخرجتهم نهائيًا من الخدمة، تنوعت بين بتر أطراف، وإعاقات دائمة، وإصابات في مناطق حساسة حالت دون عودتهم إلى العمل.

وبيّن أن العدد الإجمالي لطواقم الدفاع المدني، بين إداريين وميدانيين، كان يتراوح بين 800 و900 عنصر على مستوى قطاع غزة، إلا أن فقدان هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى أحدث خللًا خطيرًا في التوازن المهني وقدرة الجهاز على الاستجابة السريعة لنداءات الاستغاثة.

وقال: «القوانين الدولية واتفاقيات جنيف تكفل الحماية لطواقم الدفاع المدني، لكننا كنا وما زلنا هدفًا مباشرًا؛ استُهدفت مركباتنا ومراكزنا وطواقمنا، رغم ارتدائهم الزي الفسفوري، ورغم التنسيق مع الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية».

مقرات مدمرة

وأوضح الدهشان أن جميع مقرات الدفاع المدني الـ17 في قطاع غزة دُمّرت بالكامل خلال الحرب، بما في ذلك خمسة مراكز رئيسية في مدينة غزة، وهي: تل الهوى، الرمال، التفاح، المنطقة الصناعية، ومحيط المدينة.

وأشار إلى أن مدينة رفح لا يوجد فيها انتشار فعلي للطواقم بسبب خلوها شبه الكامل من السكان، وتم دمج القوة في خان يونس والمحافظة الوسطى، مع تقليص الانتشار الجغرافي بسبب الأوضاع الأمنية وخطورة القرب من ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».

وأضاف: «لم نعد نعمل وفق المنظومة الدولية أو المعايير المهنية، بل ننتشر وفق ما تفرضه المعطيات الميدانية، بشكل اضطراري وغير منتظم».

جثامين تحت الأنقاض

وفيما يتعلق بالجثامين العالقة تحت الأنقاض، قال الدهشان إن الدفاع المدني تمكن من انتشال نحو 350 جثمانًا فقط حتى الآن، رغم وجود ما يقارب 10 آلاف جثمان لا تزال تحت ركام المنازل المدمرة.

وأوضح أن غالبية هذه الجثامين معروفة للعائلات، وأن ما يتم العثور عليه في كثير من الأحيان هو بقايا عظام، نتيجة مرور وقت طويل وتعذر الوصول السريع إلى أماكن القصف.

وأضاف بحزن: «نسير في إزالة الأنقاض كالسلاحف، لأننا نعمل دون جرافات أو آليات ثقيلة. نسمع أنين المواطنين تحت الركام ولا نستطيع إنقاذهم، والضحية في النهاية هو المواطن».

وأكد أن توفر المعدات الثقيلة كفيل بإنهاء ملف الجثامين خلال ثلاثة أشهر فقط، لكن منع إدخالها يجعل الكارثة مفتوحة على الزمن.

مبانٍ مهددة بالانهيار

وتطرق الدهشان إلى خطر المباني المتصدعة بفعل الحرب، لا سيما مع المنخفضات الجوية، موضحًا أن عشرات المباني انهارت خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى استشهاد وإصابة عدد من المواطنين.

وأشار إلى أن المواطنين يضطرون للسكن في منازل مهددة بالانهيار أو في خيام غير آمنة، لعدم توفر بدائل، ما يضاعف حجم المخاطر.

وأكد أن الدفاع المدني، بالتعاون مع وزارة الأشغال والبلديات، حدد عددًا كبيرًا من المنازل الخطرة، وحذر السكان منها، لكنه يفتقر إلى المعدات اللازمة لإزالتها أو تأمينها.

photo_2026-01-08_17-01-08 (2).jpg
 

نداء أخير

واختتم الدهشان حديثه بالتأكيد على أن جهاز الدفاع المدني جهاز إنساني بحت، لا يحمل أي انتماء سياسي، ويعمل وفق واجبات قانونية وأخلاقية، مطالبًا المجتمع الدولي، والمؤسسات الأممية، والجهات الرسمية الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، بالتدخل العاجل لتزويد قطاع غزة، وجهاز الدفاع المدني تحديدًا، بالمعدات والآليات والوقود والدعم اللوجستي.

وقال: «نحن نُباد ونُحرق، ومع ذلك ما زلنا نعمل. رسالتنا واضحة: دعم الدفاع المدني هو دعم للحياة، وإنعاش هذا الجهاز يعني إنقاذ آلاف الأرواح. نطالب بحمايتنا وتمكيننا لنواصل واجبنا الإنساني في أحلك الظروف».

المصدر / فلسطين أون لاين