فلسطين أون لاين

أبو عبيدة.. حين يغلب اللقب الاسم ويفرض الرفع

عاد بي خبر إعلان حركة حماس رسميا استشهاد الناطق العسكري باسم كتائب القسام إلى تعليق قديم لأحد ظرفاء "الأصدقاء" على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي، ذكر فيه أن «من مظاهر "رفع" الملثم أنه لا يذكر اسمه إلا مرفوعا، ولو كان الإعراب يقتضي غير ذلك».

وكما هزني الآن وقع الخبر الجديد، تفاعلت في ذهني تلك اللطيفة البديعة، واستوقفني ذلك الخروج عن الأصل، الذي هو قاعدة إجراء الكنى مجرى الأسماء. فلما أدرت "محرك البحث"، وجدت أن ذلك الإبقاء على الرفع مذهب مطروق، إذ نقل التزام الواو في بعض الكنى التي شاعت حتى صارت بمنزلة الأعلام.

ووقفت له على أمثلة قائمة، أبرزها ما نقل عن بعض أئمة اللغة قديما من اعتماد هذا الوجه، مستشهدين بما روي من كتابتهم: علي بن "أبو طالب"، ومعاوية بن "أبو سفيان"، والمهاجر بن "أبو أمية". وقد ذكروا حصر ذلك "الإجراء الاستثنائي" فيمن غلبت كنيته اسمه، أو من كانت كنيته اسمه، كالأسماء المتقدمة، ومثل: أبي بكر وأبي عبيدة.

ووجدت أن ابن قتيبة الدينوري قد نص على ذلك في كتابه "تأويل مشكل القرآن"، وعلله قائلا: (فكأنه حين كني قيل "أبو طالب"، ثم ترك ذلك كهيئته، وجعل الاسمان واحدا). وقد فرج عني هذا "التأصيل" وأسعدني كثيرا، فقد كنت أضطر إليه في إعداد تقارير الشأن الفلسطيني، إذ إن كل القادة والزعماء والساسة والفاعلين لهم كنى مع أسمائهم: أبو عمار، أبو العبد، أبو الوليد، أبو عبيدة، أبو مازن، أبو ردينة.

فإذا كتبت أو نطقت: "في خطاب جديد لأبي عبيدة"، أو "حذر مسؤولون إسرائيليون أبا مازن"، كان في ذلك "نشاز إعلامي".

تعزوا بالصبر والاحتساب، ورضوا من غنيمة تذكاره المورثة بكوفيته الحمراء وكنيته: "أبو عبيدة"

وهكذا خرجت بمستأنس علمي ناهض، واستندت إلى مندوحة ترفع الحرج النحوي، وترضي سنن الإعلام في نطق الأعلام. أما صعقة الرزء فقد أذهب حر مصيبتها برد العزاء، أن الشهيد حي عند ربه يرزق، وأن عدوه المنتشي باغتياله قد شرب من كأس الإثخان ما يملأ عليه أركان واقعه إذا انقطعت حميا السكر.

وأما أمته التي عرفته أمين القضية وصوت الطوفان، فقد انتهى إلى علمها أن اسمه الكامل حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، وأن لقبه "أبو إبراهيم". وسيبقى طيفه مرتسما في ذهنها الجمعي، متمثلا لمحبيه وأودائه الذين طالما اشرأبوا متلهفين، وأصغوا منصتين بين يدي إعلان بث كلمته المصورة، يرتقبون خطابه وينتظرون إطلالته.

ليشنفوا آذانهم بنبرة صوته الواثقة، ويكحلوا عيونهم بطلعته البهية، وعيونهم ترنو إلى كوفية تلثمه وتوشحه، وتدور مع سبابة وعده ووعيده. حتى إذا فزعوا بإعلان تأكيد استشهاده، وعرفوا اسمه العلم وكنيته الشخصية، هون وجدهم أنه صدق ما عاهد عليه ولم يبدل.

فتعزوا بالصبر والاحتساب، ورضوا من غنيمة تذكاره المورثة بكوفيته الحمراء وكنيته: "أبو عبيدة". نعم، "أبو"، على اختلاف حالات الإعراب، فحقه الرفع، وهو أيضا "حكمه".