فلسطين أون لاين

التحولات الصامتة.. ما الذي تغيّر في غزة دون أن ننتبه؟

في الحروب ننشغل عادةً بما يُرى:

القصف، والدمار، والأرقام، والخسائر المباشرة.

لكن الأخطر غالبًا هو ما لا يُرى، وما يتسلل ببطء إلى النفوس والعلاقات دون ضجيج أو إعلان.

في غزة لا تحدث التحولات الكبرى دائمًا بانفجار، بل بصمت.

حين يتغيّر المجتمع دون قرار.

التحولات الصامتة لا تمر عبر بيانات سياسية، ولا تُعلن في المؤتمرات، ولا تُقاس بسهولة.
هي تغيّرات

- في طريقة تفكير الناس.

- في معنى الكرامة.

- في شكل العلاقات.

- في نظرتهم لأنفسهم وللمستقبل.

تحدث لأن الواقع القاسي يفرض نفسه يومًا بعد يوم حتى يصبح “طبيعيًا”.

من الاستثناء إلى القاعدة:

أخطر ما تفعله الأزمات الطويلة أنها تحوّل الاستثناء إلى قاعدة.

- الطابور يصبح نمط حياة.

- الاعتماد على المساعدات يصبح بديهيًا.

- الخوف يصبح خلفية دائمة.

- التعب يصبح هوية.

وهكذا لا يعود السؤال: متى تنتهي الأزمة؟

بل: كيف نتكيّف معها نفسيًا واجتماعيًا؟

وهنا تبدأ التحولات. تحولات لا يلتفت لها أحد.

من هذه التحولات، على سبيل المثال:

- تغيّر معنى الكرامة من حقّ إلى منّة.

- تراجع الثقة بين الناس لصالح الأنا.

- تفضيل الصمت بدل النقاش.

- تبلّد المشاعر بدل الغضب.

- قبول ما كان مرفوضًا سابقًا لأنه “لا خيار آخر”.

هذه التحولات لا تُفرض بالقوة فقط، بل بالتكرار.

الخطر ليس في التكيّف.. بل في نسيان الأصل.

التكيّف بحد ذاته ليس مشكلة،بل ضرورة للبقاء.

المشكلة حين ننسى:

- كيف كنّا نفكّر؟

- ماذا كنّا نرفض؟

- وأين كانت حدودنا النفسية والأخلاقية؟

حينها، لا تنتهي الحرب بخروج الدبابات، بل تستمر داخل المجتمع.

لماذا يجب أن نتحدث عن التحولات الصامتة؟

لأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت فقط،بل بإعادة الروح.

ولأن المجتمع الذي تغيّر بصمت

قد يواصل السير في اتجاه لم يختره

إن لم يتوقف ليسأل:

ماذا حدث لنا؟

الحديث عن هذه التحولات ليس جلدًا للذات، ولا ترفًا فكريًا، بل محاولة مبكرة لمنع تشوّهات أعمق في المستقبل.

هذه السلسلة

هذه المقالة

هي مدخل لسلسلة "التحولات الصامتة"، التي تحاول تفكيك ما تغيّر في المجتمع الغزي بعيدًا عن العناوين الصاخبة، مثل:

مجتمع الطوابير.

تغيّر معنى الكرامة.

الإنهاك النفسي الجماعي.

تآكل الثقة.

صمت الناس.. ولماذا هو مفهوم؟

المرشد، الطبيب، والمسعف تحت الضغط.

كيف تُعاد صياغة القيم في زمن النجاة؟

كل ذلك بعين إنسانية ناقدة، لا تُدين الناس، بل تحاول فهمهم.

خاتمة:

غزة لا تعيش فقط مأساة ظاهرة، بل تحوّلًا عميقًا في بنيتها النفسية والاجتماعية.

والتحولات الصامتة إن لم ننتبه لها اليوم، فسنستيقظ عليها غدًا

كواقع ثابت.

نظن خطأً أنه كان هكذا دائمًا.

وهذا أخطر ما في الصمت.

المصدر / فلسطين أون لاين