لا يتشكك عاقل في وضع سوريا الصعب، وأنها خارجة من أتون حرب أهلية، وأنها في عين عاصفة التمزيق والتقسيم، وأن أوضاعها الاقتصادية والمعيشية والأمنية بحاجة إلى ترميم الجراح، وتصليب المواقف، والاستناد إلى جدار صلب من الترابط الداخلي، والتوافق الاجتماعي، وما أحوج سوريا في هذه الحالة إلى مهادنة الأطراف المتربصة بها، بهدف الخروج من عنق الزجاجة، لتعيد صياغة مستقبلها وفق مشيئة أهلها.
وبالرغم من تفهم الحالة السورية الراهنة، فإن الانزلاق السوري الخطير والرهيب إلى حضن السياسة الأمريكية، ومن ثم إلى حسن الجوار والتطبيع مع العدو الإسرائيلي، لا يصب في مصلحة المجتمع السوري، ولا يخدم شعوب المنطقة بشكل عام، ولا يرفع العدوان الإسرائيلي المتربص بالأرض السورية، والساعي إلى تدمير مكونات الحياة داخل سوريا.
وكي نضع النقاط على الحروف، إليكم هذه الفقرة التي تصدرت البيان السوري الإسرائيلي الأمريكي، التي تقول:
اتفق الطرفان على إنشاء آلية تنسيق مشتركة -خلية اتصالات مخصصة- لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة".
البيان يؤكد أن سوريا والعدو الإسرائيلي قد دخلا مرحلة التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وهذا بحد ذاته طعنة غدر في خاصرة الشعب السوري الذي بات تحت رحمة الأمن الإسرائيلي.
أما الانخراط الدبلوماسي فلا يعني إلا إقامة علاقات دبلوماسية مع العدو، وتبادل السفراء، ولاسيما أن الفقرة التالية تتحدث عن تبادل تجاري وطبي وغير ذلك من مؤشرات التطبيع مع العدو الإسرائيلي.
لقد دخلت سوريا العربية إلى مربع العلاقات الحميمية مع العدو الإسرائيلي، وبرعاية أمريكية، في الوقت الذي يؤكد نتنياهو أنه يعيد ترتيب المنطقة وفق المصالح الإسرائيلية، وبعد حرب الإبادة الجماعية ضد أهل غزة، وبعد عدوان إسرائيلي إرهابي ضد لبنان وسوريا نفسها، وضد العراق وضد اليمن وضد إيران، وكأن سوريا تقدم المكافأة للعدو الإسرائيلي على جرائمه.
لو دققت القيادة السورية بمصير السلطة الفلسطينية، التي تستجدي رواتب موظفيها من الصهاينة، لما أقدمت على جريمة التنسيق الأمني مع العدو.
ولو دققت القيادة السورية بما حل بمصر، وهي تشتري الغاز من العدو، وقد تردت حالها الاقتصادية والمعيشية بعد كامب ديفيد، لما أقدمت على التواصل مع العدو.
ولو راقبت القيادة السورية حال الشعب العربي الأردني، ومستوى الفقر والمعاناة، وكيف يستجدي شعب الأردن شربة الماء من الصهاينة، لما أقدمت على توقيع أي اتفاقية مع العدو.
وإذا كانت اتفاقية كامب ديفيد سيئة، وإذا كانت اتفاقية أوسلو أسوأ، وإذا كانت اتفاقية وادي عربة الأكثر سوءاً، فإن اتفاقية باريس فاقت كل الاتفاقيات في بؤسها ومردودها السلبي، ولا سيما أن الاتفاقية لم تتطرق إلى أرض الجولان السورية.

