في خطوة خطيرة وغير مسبوقة، أصدرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تعميما إداريا يقضي بإمكانية وضع أي موظف – إقليم لبنان ضمن إجازة دون راتب إلى جانب إصداراها قرارا يلغي وظيفة كادر الحراسة في المكتب الرئيس – إقليم الأردن واستبدال الموظفين بشركة خاصة.
القرارات الجديدة لوكالة "أونروا" تضاف لسلسلة قرارات ممتدة وخطيرة خلال العامين الماضيين، أبرزها وضع أزيد عن 600 موظف من النازحين من الحرب الإسرائيلية على غزة إلى جمهورية مصر العربية تحت بند إجازة دون راتب، وتقليص عقود عمل مئات الموظفين، ووقف التعاقد مع المستشفيات والجمعيات الأهلية التي تقدم خدمات صحية لآلاف النساء والمرضى في القطاع.
ورغم سلسلة احتجاجات ومذكرات قانونية لمكتب المفوض العام لوكالة "أونروا" إلا أن الأخيرة تتذرع بوجود أزمة مالية حادة وهجمة تحريضية أمريكية – إسرائيلية ضد مكانتها وخدماتها لصالح اللاجئين الفلسطينيين.
وأثارت تلك القرارات حالة واسعة من القلق والتخوف في صفوف الموظفين العاملين في "أونروا" التي أغلقت مقرها الرئيسي في مدينة القدس المحتلة؛ بسبب قرارات إسرائيلية عنصرية، عدا عن التضييق الإسرائيلي على عملها في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية المحتلة.
قرارات ممتدة
بحسب مصدر في وكالة "أونروا" فإن القرارات السابقة لا تقتصر على إقليم محدد بل ستطال جميع الأقاليم، وتكمن خطورتها بأنها "دون مواعيد زمنية محددة" ما يضع جميع الموظفين تحت تهديد "إنهاء الخدمة" من العمل في أية لحظة.
وذكر المصدر لصحيفة "فلسطين" طالبا عدم الكشف عن هويته أن الخطوات التقشفية والإقصائية لوكالة "أونروا" تنذر بـ"خطوات عملية خطيرة" قادم الأيام؛ إزاء الأزمة المالية والهجمة الأمريكية والإسرائيلية ضد الوكالة الأممية.
وأشار إلى غياب التوظيف في "أونروا" وعدم تعويض الكادر البشري من الزملاء الشهداء أو الوفيات أو المتقاعدين ما يثبت أن سلوك الوكالة خلال العاميين الماضيين ينذر بخطر كبير على الموظفين واللاجئين معا.
وأكد المصدر أن القرارات السابقة التي أقرتها وكالة "أونروا" منذ بداية الإبادة الإسرائيلية على غزة أكتوبر/ تشرين أول 2023 والمستمرة حتى اللحظة، جميعها يستهدف القضية الفلسطينية وفي مقدمتهم اللاجئين الفلسطينيين.
وكان المستشار الإعلامي لوكالة "أونروا" تحدث سابقا لصحيفة "فلسطين" قائلا إن الوكالة الأممية تتعرض منذ أكثر من عامين إلى حملة تضليل إعلامي منسقة تستهدف تفكيكها، مؤكدا أن هذه الحملة بلغت "مستويات غير مسبوقة".
وخلال عامي الحرب الإسرائيلية على غزة، تعرضت "أونروا" لضغوط إسرائيلية متصاعدة واتهمتها حكومة الاحتلال بداية الحرب بمزاعم دعم "هجمات ضدها وتوظيف" مقاومين، دون دليل، واستهدف جيش الاحتلال غالبية مقراتها ومدارسها التعليمية ومراكزها الصحية التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين.
وتحظر سلطات الاحتلال منذ مارس/ آذار 2025 دخول أية مساعدات إنسانية أو إغاثية لوكالة "أونروا" في غزة التي تقول إن لديها نحو 6 آلاف شاحنة عالقة في الجانب الآخر من معابر القطاع.
"مرحلة حرجة"
مدير عام "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" علي هويدي، وصف المرحلة الراهنة في تاريخ وكالة "أونروا" بـ"الحرجة جدا" ضد مكانة الوكالة واللاجئين والموظفين معا؛ بهدف نزع المسؤولية السياسية والقانونية الدولية عن اللاجئ الفلسطيني.
واستعرض هويدي في حديثه لصحيفة "فلسطين" سلسلة قرارات تقشفية وإقصائية ضد الموظفين في الوكالة وخدماتها التعليمية والصحية والإغاثية لصالح اللاجئين بذريعة وجود الأزمة المالية.
وعدّ أزمة "أونروا" سياسية قبل المالية، واستدل بالحملة التحريضية الأمريكية – الإسرائيلية على مكانتها ثم قطع الإدارة الأمريكية موازنتها المالية ثم دول أخرى سارت على ذات الخطوة.
وقال إن قطع الإدارة الأمريكية ودول أخرى موازناتها المالية دليل على "النفاق الدولي"؛ لأن جميع الدول تدعم الوكالة معنويا وسياسيا دون دعمها ماليا.
وكان المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني أطلق تحذيرا سابقا من خطورة "التضليل الإعلامي الخبيث الذي لم يضر بسمعة الوكالة فحسب، بل أثر على تمويلها"، مشيرا إلى أن العجز المالي بين الربع الأخير من 2025 والربع الأول من 2026 بلغ نحو 200 مليون دولار أمريكي.
وأضاف هويدي أن تجاوب المفوض العام مع الأزمة المالية دون تقديم الخدمات للاجئين والموظفين والتحرك على المستوى المطلوب، دليل على ضعف واستسلام من الوكالة الأممية للحملة التحريضية الأمريكية – الإسرائيلية وحجب الأموال عن صندوق الوكالة.
وفي هذا الإطار، شدد على أهمية الدعوة للقاء جامع يضم ممثلو الدول المضيفة لوكالة "أونروا" والاتحادات العاملة في الأخيرة؛ لمواجهة تلك القرارات المتتالية والخطيرة.
وأكد أهمية دور الدول المضيفة (سوريا، لبنان، الأردن) في تحمل المسؤولية ومواجهة الرؤية الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية الرامية لإنهاء عمل وكالة "أونروا".
وفي ختام حديثه، حذر مدير "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين" من التقاعس أو عدم القيام بحراك يوازي الخطر القائم – فإن المزيد من التقليصات والقرارات التعسفية ستشهدها "أونروا" – ولأجل ذلك، أوصى بسلوك خمسة مسارات تناسب الحالة الراهنة (دبلوماسيا، سياسيا، جماهيريا، إعلاميا، قانونيا).
ودائما تدعو "أونروا" جميع الدول إلى تأمين تمويل كاف لصندوقها لأجل ضمان حماية 6 مليون لاجئ فلسطيني ريثما يتم التوصل إلى "حل عادل ودائم لمعاناتهم".
وتأسست "أونروا" ديسمبر/كانون الأول 1949 بقرار من الأمم المتحدة رقم 302 لتوفير الإغاثة والعمل للاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا جراء النكبة الفلسطينية 1948.
ومنذ تأسيسها، أصبحت الوكالة مظلة دولية مخصصة للاجئين الفلسطينيين ولذريتهم، تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة في حقول عملياتها (الأردن، لبنان، سوريا، الضفة الغربية، قطاع غزة).

