في وقت تزداد فيه معاناة سكان قطاع غزة وتعتمد آلاف الأسر على المساعدات الغذائية مصدرًا رئيسًا للبقاء، تتصاعد انتقادات واسعة لجودة ما يُقدَّم من غذاء، وسط مطالبات متزايدة للمؤسسات الدولية والإنسانية بإعادة النظر في آليات الإغاثة، بما يضمن حفظ الكرامة الإنسانية وتقليل الهدر.
ودعت هذه الأصوات إلى الانتقال من منطق “تقديم المساعدات بأي شكل” إلى نهج يركّز على الجودة والقيمة الغذائية، بحيث يصل ما يُنفق في العمل الإنساني إلى المستفيدين كغذاء حقيقي، لا مجرد أرقام تُسجّل في التقارير.
وأبدى عدد من المواطنين استياءهم من تدني جودة “الخبز المدعّم” الذي توزعه بعض المؤسسات، مؤكدين أنه يفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الجودة، حتى مقارنة بالأوضاع الطبيعية.
يقول المواطن ماهر سلامة إن بعض المخابز المتعاقدة مع جهات دولية تبيع خبزًا غير مكتمل النضج أو فاقدًا لشكلِه السليم، وهي أصناف كانت تُستبعد سابقًا من البيع، لكنها تُدرج اليوم ضمن السلال الإغاثية، مستغلة غياب خيار الرفض لدى المواطنين في ظل الظروف المعيشية القاسية.
وشدّد سلامة، في حديثه لصحيفة "فلسطين"، على أن "الحاجة لا تعني القبول بالرديء، وأن تقديم خبز غير مستوفٍ للشروط الفنية يُعد استخفافًا بالمستهلك وتجاهلًا للصحة العامة".
وعلى صعيد الوجبات الجاهزة (التكايا)، انتقد مواطنون غياب التنوع الغذائي والاعتماد المفرط على الأرز كمكوّن رئيسي، دون إدراج البروتينات، ما دفع كثيرين إلى العزوف عن استلام هذه الوجبات، أو استلامها خوفًا من شطب أسمائهم من قوائم المستفيدين، قبل التخلص منها لاحقًا لعدم ملاءمتها للاستهلاك الأسري.
وتقول السيدة أم ياسر عزارة: "إن تقديم طعام لا يتناسب مع الذوق العام أو يفتقر إلى القيمة الغذائية الأساسية يُعد هدرًا صريحًا للمال العام وللمساعدات الدولية، وتحويلًا للموارد إلى نفايات بدل أن تكون شريان حياة".
ودعت عزارة، في حديثها لـ"فلسطين"، المؤسسات إلى تنويع الوجبات بما يلائم احتياجات الأسر، مشيرة إلى أن “التكايا” أصبحت أحد الخيارات القليلة المتاحة للحصول على الطعام بعد أكثر من عامين من الحرب.
من جهته، دعا الاختصاصي الاقتصادي محمد سكيك إلى إعادة ترتيب أولويات توزيع المساعدات بما يتوافق مع احتياجات المواطنين الفعلية وعاداتهم الغذائية.
وشدّد، في حديثه لـ"فلسطين"، على أهمية تفعيل الرقابة على جودة الإنتاج في المخابز والمطابخ المتعاقدة، لضمان مطابقة الغذاء للمواصفات المطلوبة، مؤكدًا ضرورة إدخال عناصر غذائية أساسية، وعلى رأسها البروتين، لتفادي العزوف والهدر.
كما نوّه إلى أهمية صون كرامة المستفيد، والتعامل معه كصاحب حق في غذاء سليم وكريم، لا كمتلقٍ لمواد متدنية الجودة.
وحذّر سكيك من ظاهرة اضطرار المواطنين لاستلام الطعام "خوفًا من شطب أسمائهم"، معتبرًا أن هذا السلوك يخلق بيانات مضللة لدى المؤسسات، إذ تُظهر التقارير أن جميع الحصص تم تسلّمها، بينما الواقع يشير إلى أن نسبة كبيرة منها لا تُستهلك فعليًا.
وأوضح أن هذا التضليل يمنع تطوير السياسات الإغاثية، لأن الجهات المانحة تعتقد خطأً أن المستفيدين راضون عن مستوى الخدمات المقدمة.
وأكد أن تقديم غذاء لا يتناسب مع عادات الناس أو يأتي بجودة متدنية يعمّق الشعور بالإهانة، مشددًا على أن احترام ذوق المستفيد يحوّل المساعدة من “عبء ثقيل” إلى دعم إنساني يحفظ الكرامة.
ويُشار إلى أن وزارة التنمية الاجتماعية بدأت تطبيق آلية جديدة لتنظيم عمل “التكايا” والمطابخ في قطاع غزة، تشمل منع الطهي في الشوارع، وقصره على أماكن صحية معتمدة، وإلزام تقديم وجبات متكاملة تحتوي على البروتين بدل الاكتفاء بالأرز، إلى جانب اعتماد نظام الوجبات المعبأة، وفرض رقابة صحية وقانونية على جميع مراحل الإعداد والتوزيع.

