لم يغب محمد سعود أبو الخير (33 سنة) سوى ثوانٍ، بعد أن أشعل النار بحرق الحطب أمام خيمته لإعداد وجبة طعام لطفله الصغير سعود (4 سنوات) وأمه الحاجة آمال (60 سنة)، وذلك عند الساعة السادسة من مساء الخميس الماضي بمخيم إيواء مجاور لمكب النفايات بالقرب من ملعب اليرموك بمدينة غزة.
وقبل أن يبتعد عن المكان لإحضار غرض ربما كان لازما لوجبة الطعام كانت النار قد بدأت تلتهم خيمته، بعدما حركت رياح المنخفض الجوي ألسنة اللهب لتصل لقماش الخيمة ويتمدد بلمح البصر ليحرق الخيمة بكل محتوياتها وتصل لجسد أمه وطفله. تعالت صرخات الحاجة والطفل والجيران مذعورين، في حين امتدت النيران لتحرق ثلاث خيام مجاورة. على أثر الحريق هرب الأطفال والنساء مذعورين من داخل الخيام واستطاعوا الإفلات من النيران الهائجة.
وعلى الرغم من ذلك لم يستسلم أبو الخير للنيران لحظة بداية الاشتعال، التي اقتحمها وحاول الوصول لأمه وطفله لكنها التهمت جسده أيضًا، ونجا مصابا بحروق بليغة لا زال يرقد على أثرها بالمشفى، في حين توفيت أمه وطفله.

تعيد الحادثة الأذهان إلى النار التي كانت تأكل أجساد الأطفال والنساء أثناء قصف الاحتلال لمراكز الإيواء وارتكب خلالها مئات المجازر، لكن لم يكن سبب الاشتعال هنا سقوط صاروخ، وإنما نتيجة منع غاز الطهي من الدخول لغزة إلا بكميات شحيحة، ما يجبر الكثير من العائلات للاستمرار بطهي الطعام بواسطة حرق الأخشاب داخل الخيام أو على أبوابها ما يجعل حدوث الحريق أمرا ممكنا، كما حدث مع عائلة أبو الخير الخميس الماضي.
لحظات قاسية
كانت فاطمة أبو بيض التي تجاور خيمة عائلة أبو الخير، تقف أمام الخيمة تراقب انتهاء أعمال تركيب خيمة جديدة لها وللجيران الذين احترقت خيامهم بالكامل وعددهم أربع عائلات تبرعت بها إحدى المؤسسات، وهي لا تصدق أنها نجت مع أطفالها من الحريق.
تروي أبو بيض لـ "فلسطين أون لاين" وكأن المشهد يتحرك أمامها: "ما حدث كان كارثة لا يمكن تصورها. فجأة رأينا الخيمة تحترق حملت أطفالي وخرجت قبل أن تحاصرنا بثوان قليلة، وبدأنا نصرخ على الجيران الذين هرعوا للمكان لكن كانت النيران قد ارتفعت وكلما حاولوا الاقتراب كان اللهب الشديد يمنعهم، إلى أن وصلت طواقم الدفاع المدني لكن كانت النيران قد نالت من جسد المسنة وطفلة وجرى إنقاذ والد الطفل.
وأضافت بنبرة يملؤها الذهول والصدمة: "لو لم نخرج بسرعة لتفحمنا بسبب النيران. كان يريد والد الطفل إعداد وجبة طعام لطفله، وذهب لإحضار غرض وبمجرد أن ابتعد قليلا عاد على أصوات الصرخات، دخل لإنقاذ الطفل لكن كانت النيران قد أكلت جسده وعاد مصابا بحروق ولا زال هناك خطورة على حياته".

تعيش العائلات بمحيط مكب النفايات حياة "تحت الصفر" كما تصفها أبو بيض، نتيجة المخاطر الكبيرة المحدقة بالنازحين، يتعايشون مع روائح القمامة الكريهة، والذباب والحشرات، والأمراض التي تصيب أطفالها، ومياه الأمطار التي تغرق خيامهم وهي تتجري كسيول من المكب".
معاناة يومية
أما زوجها سامر أبو بيض، فيستذكر كيف كانت عمته الحاجة "آمال" تذهب يوميا إلى التكيات الخيرية للبحث عن طعام لإطعام عائلتها، عانت المسنة من الفقر وكان يخرجها الجوع للبحث عن الطعام نتيجة انعدام الدخل ومقومات الحياة.
يقول أبو بيض لـ "فلسطين أون لاين" عن سبب وجودهم بجانب مكب النفايات: "كنا نتواجد داخل مركز إيواء ملعب اليرموك قبل العملية العسكرية الأخيرة لجيش الاحتلال، فعند بدء اجتياح مدينة غزة نزحنا لوسط القطاع، ثم عدنا مرة أخرى ولم نجد مكانا. عاشت عمتي في خيمة مهترئة وبالية وفي أوضاع معيشية صعبة، ورحلت بعد معاناة كبيرة مع النزوح والفقر والتشرد بعيدا عن منزلنا بحي الشجاعية".
كانت أبو بيض كغيرها من النازحين غرب مدينة غزة، تنتظر بفارغ الصبر انسحاب جيش الاحتلال وبدء المرحلة الثانية لتعود وتسكن بجانب أنقاض منزلها، لكن النار كانت أقرب إليها، متابعا بملامح وصوت مليئين بالحسرة: "بحثنا كثيرا عن مكان أكثر أدمية ولم نجد إلا أسفل المكب وعلى منحدر كانت تجري سيول المياه علينا وتغرقنا".
على مقربة منهم، كانت الحسرة واضحة على ملامح حمادة أبو ليلة، وهو يراقب عملية إقامة خيام جديدة كتعويض للعائلة المتضررة من الحريق، لكن لم يبق من العائلة المحترقة سوى ابن أعزب وآخر مصاب ولا يعرف إن كان سينجو أم سيلتحق بطفله.
يحكي أبو ليلة لـ "فلسطين أون لاين" وهو يعرض صورا للحريق وثقها بهاتفه، ويظهر ارتفاع اللهب لأكثر من مترين للأعلى، في لحظات كان الأهالي يحاولون الإطفاء بما لديهم من قرب وجالونات مياه قليلة.

يقول: "ما حدث شيء مرعب، فكانت العائلة تشعل النيران لإعداد وجبة عشاء للطفل فتحولت العائلة لوجبة للنيران. لم نستطع فعل شيء لأن النار ارتفعت بثوان. أكثر شيء ألمني لحظة تحريك المسنة يدها طالبة الإغاثة وهي تشري إلينا أن ندخل لنخرجها، لكن قسوة المشهد وصعوبة الأمر وشح الإمكانيات لدينا منعنا من ذلك".
تعيش بمحيط المكب نحو 800 عائلة، وجدوا أنفسهم في بيئة مليئة بالأوبئة، ما يعرض حياتهم للخطر أو الإصابة بأمراض خطرة، وفي بيئة ملوثة وغير صحية..

