في إحدى زوايا مخيم “برشلونة” للنزوح في حي تل الهوا جنوب غرب غزة، لم تكن مجد الهيقي، الشابة البالغة 22 عامًا، تتوقع أن يتحول صباح يوم الاثنين من الأسبوع الحالي إلى لحظة فاصلة في حياتها.
كانت تحاول فقط القيام بتفصيل يومي بسيط؛ تسخين الماء لتحميم رضيعها الأول بلال، البالغ من العمر خمسة أشهر، داخل خيمة لا تحمي من برد الشتاء ولا من حر الصيف، لكنها كانت كل ما تملكه العائلة بعد رحلة نزوح طويلة فرضتها الحرب.
منذ أشهر، تعيش الأسرة في المخيم مثل آلاف العائلات التي فقدت منازلها، محاطة بظروف قاسية تفتقر إلى أدنى أساسيات الحياة الكريمة؛ خيام متلاصقة، نقص في المياه، ووسائل بدائية للطهي والتدفئة، تجعل كل يوم محفوفًا بالمخاطر.
ومع ذلك، كانت مجد تحاول الحفاظ على حياة طبيعية قدر الإمكان، خصوصًا مع طفلها البكر الذي كانت ترى فيه بداية حياة جديدة رغم كل ما حولها من دمار.
في ذلك الصباح، خرج زوجها هادي الهيقي لتسلّم مساعدة غذائية، تاركًا مجد وطفلهما داخل الخيمة. أشعلت الأم موقدًا بسيطًا لتسخين الماء، وبعد أن انتهت وحملت الإناء، بقيت بعض الجمرات المشتعلة في مكانها. لم تمضِ لحظات حتى هبّت رياح مفاجئة حملت شرر النار نحو أطراف الخيمة، لتشتعل النيران بسرعة غير متوقعة.
خلال 11 ثانية فقط، كانت ألسنة اللهب قد اجتاحت المكان، محاصرة الأم ورضيعها قبل أن يتمكنا من الخروج.
الدخان وألسنة اللهب لفتت نظر الجيران، الذين هرعوا إلى المكان حاملين ما توفر من مياه قليلة، محاولين إخماد الحريق بأيديهم قبل أي شيء.
لكن طبيعة الخيام المصنوعة من القماش والبلاستيك جعلت النار تنتشر بسرعة هائلة، بينما حاول بعض الشبان تمزيق أطراف الخيمة المشتعلة لإخراج الأم وطفلها.
عمة الطفل، شيرين الهيقي، روت المشهد بصوت متأثر قائلة لـ "فلسطين أون لاين": "لم يكن هناك شيء يدل على أن كارثة ستقع، مجد كانت فقط تسخن الماء لابنها، وبعد لحظات سمعنا الصراخ والنار ترتفع بشكل مخيف".

"حاول الناس إطفاء الحريق بالماء وبأيديهم، لكن النار كانت أسرع منا، عندما أخرجوها كانت تحاول أن تضم بلال إلى صدرها لتحميه، رغم إصابتها بالحروق".
وأضافت: "بلال هو طفلها الأول، وكل أحلامها كانت مرتبطة به، لم تكن تتخيل أن الخيمة التي احتمت بها من الحرب يمكن أن تتحول إلى نار تأكلها هي وطفلها".
وصلت سيارة الإسعاف سريعًا، ونُقلت مجد ورضيعها إلى مجمع الشفاء الطبي، حيث أُدخلا مباشرة إلى قسم العناية المركزة نتيجة الحروق الخطيرة التي أصابتهما، إضافة إلى تأثر الجهاز التنفسي بسبب استنشاق الدخان الكثيف.
مصادر طبية أوضحت للعائلة أن حالتهما ما زالت حرجة، وأن الطواقم الطبية تبذل جهودًا كبيرة لإنقاذهما رغم نقص الإمكانات والمستلزمات الطبية الخاصة بعلاج الحروق.
وأشارت إلى أنه عند عودة أخيها هادي إلى المخيم، فوجئ بتجمع الناس حول خيمته التي تحولت إلى رماد، لم يدرك في البداية أن المصابين هما زوجته وطفله، قبل أن يخبره أحد الجيران بما حدث.
ساعات غيابه كانت كفيلة بأن تغيّر حياة الأسرة بالكامل، ليجد نفسه الآن يقف أمام قسم العناية المركزة ينتظر خبرًا يحدد مصير عائلته الصغيرة.
اقرأ أيضًا: رمضان بلا أمّ ولا "يوسف"… عائلة عسلية وحكاية الفقد المتكرر
حادثة مجد وبلال ليست مجرد حريق خيمة؛ إنها قصة تختصر معاناة النزوح المستمر، حيث يعيش آلاف الناس في بيئة تفتقر إلى الأمان، ويضطرون لاستخدام وسائل بدائية للطهي والتدفئة داخل أماكن ضيقة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
في مثل هذه الظروف، قد تتحول شرارة صغيرة إلى مأساة خلال ثوانٍ، وتصبح أبسط تفاصيل الحياة اليومية خطرًا حقيقيًا.
اليوم، تقف العائلة خارج أبواب العناية المركزة بين الخوف والرجاء، ترفع الدعاء أن تنجو مجد وطفلها من الحروق التي غيرت حياتهما خلال 11 ثانية فقط.
أما في مكان الخيمة، فلم يبقَ سوى رماد وأقمشة محترقة، شاهدة على لحظة قاسية تكشف كيف يمكن للحرب والنزوح أن يجعلا حتى أبسط لحظات الحياة محفوفة بالموت.

