لم تكن زخّات المطر التي انهمرت على مدينة غزة فجر الجمعة مجرّد «بشرى خير» كما اعتادها الناس والمزارعون، بل شكّلت فصلًا جديدًا من فصول القهر للسيدة فاتن دادر (40 عامًا). فهي ليست نازحة فحسب، بل أرملة شهيد تحمل على عاتقها إرثًا ثقيلًا من الصبر ومسؤولية مضاعفة، وتخوض مواجهة قاسية مع الغرق؛ لا في عرض البحر، بل داخل خيمتها المهترئة التي باتت عنوانًا قسريًا لحياتها وحياة أطفالها الستة.
بين عشية وضحاها، تحولت أرضية خيمتها في أحد مخيمات النزوح العشوائية شمال غزة إلى مستنقع من الوحل وسيول جارفة. وتصف فاتن المشهد لمراسل صحيفة «فلسطين» بمرارة تفوق برودة الطقس، قائلة: «استيقظت على صراخ أبنائي، كانت المياه تغمر أجسادهم وهم نيام. لم نعد نملك شيئًا لنخسره؛ حتى الأغطية التي كانت تقيهم شيئًا من البرد تحولت إلى قطع من الطين المبلل».
وبيدين نال منهما التجمد، حاولت فاتن يائسة دفع الأذى عن صغارها، وتقول بأسى: «كنت أزيح المياه بوعاء بلاستيكي مكسور، وأضع منشفة مبللة بالماء البارد فوق الفتحات في محاولة بائسة لمنع تسلل المزيد من السيول. كنت أسابق الزمن كي لا تصل المياه إلى وجوه أطفالي النيام، لكن دون جدوى؛ فالمنخفض كان أقوى من جسدي الذي أنهكه القهر والجوع والحصار».
وتستذكر فاتن حياتها قبل الحرب بألم يعتصر القلب؛ فلم تكن يومًا مجرد «رقم»، بل كان لها بيت دافئ بناه زوجها الشهيد بعرق جبينه، لبنة فوق أخرى، ليكون حصن العائلة، قبل أن تحوله طائرات الاحتلال إلى كومة من الركام.
وتتابع، والدموع تترقرق في عينيها: «بيتي لم يكن مجرد جدران، بل كان عمرنا كله. هناك وضع زوجي الشهيد أحلامه، وهناك كبر أبنائي. اليوم أقف أمام قطعة قماش لا ترد بردًا ولا تستر وجعًا. الاحتلال لم يقصف الحجر فقط، بل قصف الأمان الذي تركه لنا زوجي قبل رحيله».
أطفال فاتن الستة، أصغرهم محمد (10 سنوات)، يعيشون قسوة المشهد يوميًا، وتتساءل أمهم بأسى: «نحن نعيش موتًا بطيئًا؛ في الصيف احترقنا من الحر، وفي الشتاء نغرق. ماذا فعل هؤلاء الأيتام ليعيشوا هذا الجحيم؟».
إن غرق خيمة الأرملة دادر ليس حادثة عابرة، بل تجسيد حي لمأساة آلاف الأسر النازحة في شمال غزة، التي فقدت «السند» ثم فقدت «السكن»، لتجد نفسها في مواجهة العواصف بصدور عارية، تحمي أطفالها بظلال الذكريات وتحت أسقف من قماش بالٍ.
وتوجه دادر رسالة إلى العالمين العربي والإسلامي عبر صحيفة «فلسطين»، قائلة: «نريد كرامتنا، نريد العودة إلى ركام بيوتنا التي عمّدها زوجي بدمه وماله. كفى لهذا العالم أن يتفرج على غرقنا في خيام المذلة».
ومع استمرار المنخفض الجوي، تبقى فاتن وعائلتها عالقين بين مطر الشتاء ونار الفقد، ينتظرون فجرًا قد يحمل وقفًا للعدوان، أو ربما خيمة جديدة تصمد قليلًا أمام قسوة الأيام المقبلة.
وفي ختام حديثها، تطلق عائلة «دادر»، ومعها مئات العائلات شمال غزة، نداءً حارًا للمؤسسات الإغاثية والجهات المشرفة على توزيع «الشوادر والخيام»، بضرورة تحري العدالة والنزاهة في عمليات التوزيع، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ممن يواجهون الموت بردًا تحت أقمشة بالية، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.

