تتصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات، في انتهاك جسيم وممنهج لقواعد القانون الدولي الإنساني، وسط صمت دولي يفاقم معاناتهم ويمنح الجناة غطاءً للإفلات من العقاب.
وقد تحولت سجون الاحتلال إلى ساحات للعقاب الجماعي، تُمارس فيها أبشع أشكال التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية، ما أدى إلى استشهاد عشرات الأسرى في ظروف ترقى إلى جرائم حرب تستوجب التحقيق والمساءلة أمام المحاكم الدولية.
وفي أخطر تصعيد تشريعي، تسعى سلطات الاحتلال إلى تمرير مشروع قانون يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة تعكس عقلية انتقامية وعنصرية تستهدف الشعب الفلسطيني وحقوقه الأساسية.
ولم يمر هذا التوجه الخطير دون تحذير دولي، إذ نبّه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى التداعيات الكارثية لمشروع القانون، مؤكدًا أنه يشكّل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، وتهديدًا مباشرًا للحق في الحياة، وتصعيدًا قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من جرائم الحرب بحق الأسرى الفلسطينيين.
وكان الكنيست الإسرائيلي قد صوّت، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بالقراءة الأولى على مشروع قانون يقضي بإعدام أسرى فلسطينيين، في انتظار التصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة ليصبح قانونًا نافذًا.
ووفقًا لمسودة مشروع القانون، يهدف التشريع إلى فرض عقوبة الإعدام على من تصفهم سلطات الاحتلال بـ«المخربين» الذين تسببوا بمقتل إسرائيليين، بذريعة «حماية دولة إسرائيل ومواطنيها» و«تعزيز الردع».
وتتضمن المسودة بندًا بالغ الخطورة يتعلق بأسرى أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ينص على تطبيق القانون بأثر رجعي، وفرض عقوبة الإعدام الإلزامية على كل من تتهمه سلطات الاحتلال بالتسبب بمقتل إسرائيليين خلال تلك الأحداث، في انتهاك فاضح لمبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية، أحد الركائز الأساسية للعدالة الدولية.
قانون عنصري
واعتبر مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، حلمي الأعرج، أن قانون إعدام الأسرى هو قانون سياسي انتقامي وضعته حكومة الاحتلال بهدف الانتقام من الأسرى الفلسطينيين، وليس لتحقيق العدالة. وأكد الأعرج، في حديثه لصحيفة «فلسطين»، أن هذا القانون ينتهك بشكل صارخ مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يكفل للشعوب الواقعة تحت الاحتلال حق مقاومة المحتل وتقرير المصير.
وأضاف أن القانون الإسرائيلي عنصري بامتياز، وينتهك اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال، مشددًا على أن سلطات الاحتلال تتجاهل عمدًا جميع القوانين والاتفاقيات الدولية.
وأوضح أن هذا التشريع يمس جوهر الحق في الحياة، الذي يُعد أساس منظومة حقوق الإنسان، ويُسقط معايير المحاكمة العادلة، ما يجعله جريمة حرب مكتملة الأركان.
وأشار إلى أن القانون يستهدف الفلسطينيين بشكل حصري، في حين يغضّ الاحتلال الطرف عن جرائم المستوطنين الذين يقتلون الفلسطينيين، ويوفر لهم الحماية والامتيازات، ما يعكس سياسة تمييز عنصري ممنهجة.
واعتبر أن تحذير مفوض الأمم المتحدة جاء نتيجة إدراك خطورة هذا القانون ومخالفته الصريحة لجميع الأعراف الدولية، في وقت يتجه فيه العالم نحو إلغاء عقوبة الإعدام.
جرائم حرب
بدوره، قال الخبير القانوني عزام شعث إن مشروع القانون الإسرائيلي يمثل حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات المتواصلة التي تمارسها سلطات الاحتلال، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني التي تنظم العلاقة بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال.
وأكد شعث، لـ«فلسطين»، أن الاحتلال يضرب بعرض الحائط جميع القرارات الدولية، ويواصل ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده.
وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تسعى، عبر هذه السياسات، إلى الضغط على الفلسطينيين وسلب حقوقهم الوطنية، مستخدمة قضية الأسرى كورقة انتقام وكسب داخلي للرأي العام الإسرائيلي.
وبيّن أن الأسرى الفلسطينيين يتعرضون لانتهاكات جسيمة داخل السجون، تشمل التعذيب، والعزل الانفرادي، والمحاكمات غير القانونية، والتمييز العنصري، ما يشكّل جرائم حرب وفق القانون الدولي.
وشدد على أن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ موقف حازم لمواجهة هذه السياسات، وأن الهيئات الأممية والمحاكم الدولية مطالبة بالتحرك الجاد لمحاسبة الاحتلال، لا سيما في ظل استمرار الدعم الأمريكي الذي يتيح له الإفلات من العقاب.
ودعا الخبير القانوني إلى نقل ملفات جرائم الأسرى إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومراكمة الجهود القانونية لمحاكمة قادة الاحتلال على جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
وبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو 10,800 أسير حتى مطلع أغسطس/آب الماضي، بينهم 49 أسيرة و450 طفلًا، دون احتساب المعتقلين في المعسكرات العسكرية، وفقًا لبيانات نادي الأسير الفلسطيني.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد 100 أسير فلسطيني داخل سجون الاحتلال، في مؤشر خطير على تصاعد الجرائم والانتهاكات بحقهم.

