لم يكن القناع علامة خوف، بل إعلان شجاعة، ففي زمنٍ تُقاس فيه القوة بعدد الوجوه الظاهرة على الشاشات، اختار الملثّم أن يتكلم بلا وجه، فصار صوته أصدق من الوجوه، وأبقى من الصور، لم يأتِ ليُعرّف بنفسه، بل ليُعيد تعريف القضية؛ ولم يقف أمام الكاميرا ليُرى، بل ليُرينا العالم على حقيقته. هكذا، ومن خلف لثامٍ أسود، انبعثت سردية فلسطينية جديدة لا تستجدي التعاطف، ولا تطلب الإذن، بل تفرض حضورها بهدوء من يعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى زينة.
من الوظيفة إلى الرمز
في البدء، كان الملثّم وظيفة إعلامية: ناطقًا باسم مقاومةٍ محاصرة، يوجز الموقف ويضبط الرسالة، غير أنّ الوظائف، حين تتماسّ مع لحظة تاريخية مكثّفة، تتحوّل إلى رموز، فالقناع الذي يُخفي الوجه لم يُخفِ المعنى؛ بل حرّره من أسر الفرد، وردّه إلى الجماعة.
هنا، لا يعود الشخص مركز السرد، بل تصبح القضية هي المركز، ويغدو المتكلم مجرد وعاءٍ للمعنى، لا مالكًا له.
إنّ اختزال الجماعة في فرد-ثم إلغاء الفرد لصالح الجماعة-هو قلبُ اللعبة السردية؛ فالغرب، في تقاليده الإعلامية، يحتاج إلى “بطل” بوجهٍ واضح وتاريخٍ شخصي قابل للتشييء والتفكيك، أما الملثّم فخرق هذه القاعدة: جسدٌ غائب، وصوتٌ حاضر؛ اسمٌ مُعار، ورسالةٌ ثابتة، وبذلك، أفلت الرمز من قبضة التصنيف، وتعذّر تطويعه في القوالب الجاهزة.
اللغة: حين تهزم الكلمات الصواريخ
لم يكن خطاب الملثّم عالي النبرة ولا مُسرفًا في الوعيد، كان مقتصدًا، محسوبًا، واثقًا.
وهذه مفارقة القوة: الهدوء حين يملك صاحبه المعنى، في مقابل ضجيج البيانات الغربية المكرورة، بدا خطابه أشبه ببيان أخلاقي يضع الوقائع في سياقها، ويستدعي التاريخ دون ادّعاء، ويستحضر الدين دون استعراض، اللغة هنا ليست زينة؛ إنها أداة ضبطٍ للسرد، وتثبيتٌ لمرجعيةٍ أخلاقية تُربك الخصم أكثر مما تفعل الصواريخ.
فالخطاب الغربي، وهو يحاول الدفاع، يقع في فخ التبرير؛ أما خطاب الملثّم، وهو يقدّم روايته، فيكتفي بالتفسير، وبين التبرير والتفسير فرق حضاري: الأول اعتذارٌ مستتر، والثاني ثقةٌ في المعنى.
السردية المضادّة: من موضوعٍ يُروى إلى ذاتٍ تروي
على امتداد عقود، كانت فلسطين موضوعًا في حكاية الآخرين، تُروى بضمير الغائب، وتُختزل في صورٍ انتقائية، وتُدار سرديًا من مراكز القوة.
بظهور الملثّم، حدث انتقال حاسم: الفلسطيني صار ذاتًا تروي نفسها، وتضبط لغتها، وتُسمّي الأشياء بأسمائها، لم يعد “الحدث” هو المركز، بل “الرواية”؛ ولم تعد الصورة هي الحَكَم؛ بل المعنى.
هذا التحوّل ليس تقنيًا، بل فلسفيًا. إنه تفكيك لعلاقة السلطة بالخطاب، حيث لا تعود الهيمنة في امتلاك المنصة، بل في امتلاك القصة.
وهنا، تتبدّى مفارقة العصر: صورةٌ واحدة مُتقنة، بخطابٍ مُحكم، قد تُحدث تصدّعًا في جدارٍ إعلامي عالمي.
بين الحقيقة والخيال: الأسطورة المعاصرة
الملثّم ليس خيالًا، لكنه أكبر من الواقع، يشبه أبطال الملاحم: لا يُعرَف وجههم، لكن تُعرَف آثارهم. يعيشون في الوعي الجمعي أكثر مما يعيشون في الصورة، والخيال في ثقافة المقهورين، ليس كذبًا؛ إنه طريقة لحفظ الحقيقة من التلف، حين تضيق الوقائع عن حمل المعنى، يتسع الرمز ليحمله.
بهذا المعنى، صار الملثّم أسطورة معاصرة: لا لتزييف الواقع، بل لتكثيفه. الأسطورة هنا ليست هروبًا من الحقيقة، بل تكثيفٌ لها في صورةٍ قابلة للتداول، عصيّة على المصادرة.
القناع في الذاكرة العربية
للّثام تاريخٌ في الثقافة العربية: من الفارس الذي يحمي اسمه من الابتذال، إلى الصعلوك الذي يواجه الظلم بلا نسبٍ يحميه، القناع، في هذا السياق، ليس إنكارًا للذات، بل حمايةٌ للمعنى من التشخيص إنه انتقال من “أنا” إلى “نحن”، ومن السيرة الفردية إلى المصير الجمعي.
الاغتيال الذي لم يُنهِ القصة: ولادة الاستمرارية
هنا، تبلغ الرمزية ذروتها. حين اغتيل الملثّم الأول، توقّع كثيرون أن تنكسر الأيقونة، وأن يتداعى الرمز بسقوط الجسد. غير أنّ ما حدث كان العكس: ظهر ملثّم آخر، بالاسم ذاته، والكنية نفسها، والملامح ذاتها. لم يكن ذلك تكرارًا ميكانيكيًا، بل فعلًا سرديًا واعيًا.
ما أبعاد هذا الاستمرار؟
إعلان هزيمة منطق الاغتيال:
الاغتيال يراهن على قطع السلسلة بقطع الحلقة. أمّا الاستمرار، فيُعلن أنّ السلسلة ليست شخصًا، بل معنى.
الرسالة واضحة: يمكن إسكات الصوت، لا المعنى؛ قتل الجسد، لا الرواية.
تحويل الرمز إلى مؤسسة معنوية
حين يُعاد إنتاج الاسم والكنية والملامح، ينتقل الرمز من فردٍ إلى “دور”، الدور يُشغَل، ولا يُورَّث بيولوجيًا، هكذا، يصبح الملثّم مؤسسة سردية لا تُختزل في حياةٍ واحدة.
تقويض اقتصاد الصورة الغربي
الإعلام الغربي يحتاج إلى وجهٍ ليفكّكه، وسيرةٍ ليطعن فيها. بتوحيد الملامح والاسم، يُسحب هذا السلاح، لا جديد يُستثمر، ولا اختلاف يضخم الاستمرارية هنا استراتيجية مضادّة.
تأبيد الحضور وإلغاء النهاية
القصة التي لا نهاية لها تُربك المتلقي، حين يُقتل البطل ولا تنتهي الحكاية، يتغيّر منطق التلقّي: من انتظار الخاتمة إلى إدراك الديمومة، هذه رسالة نفسية بامتياز.
ردّ الاعتبار للجماعة
الاستمرار يقول بوضوح: “لسنا أفرادًا معزولين؛ نحن جماعة تتكلم بصوتٍ واحد.” الاسم يصبح لسان حال الجماعة، لا بطاقة تعريف.
الرسالة إلى الداخل والخارج
إلى الداخل الفلسطيني: القضية أكبر من الأشخاص، والاستمرارية ضمانة المعنى.
إلى الخارج الغربي: أدواتكم التحليلية قاصرة عن فهم رمز لا يخضع لمنطق النجومية.
إلى العالم: ثمّة شعوب تحمي ذاكرتها بالرمز حين تُحاصَر بالحديد.
البعد الحضاري: إعادة تعريف القوة
القوة هنا ليست تفوّقًا ماديًا، بل سيادة على المعنى، في عالمٍ يُشيّئ الإنسان، أعاد الملثّم الاعتبار للأخلاق بوصفها عنصر قوة؛ لم يُنافس على عدد المشاهدات، بل على صدقية السرد، وهذا انقلاب حضاري: حين تتقدّم القيمة على الصورة، والمعنى على الضجيج.
القناع الذي فضح العالم
في المحصلة، لم يُخفِ القناع الحقيقة؛ بل فضح زيفًا عالميًا اعتاد أن يربط الحق بالقوة، والشرعية بالهيمنة؛ بصوته الهادئ، كشف هشاشة خطابٍ يدّعي الأخلاق وهو يبرّر الإبادة، وباستمراريته بعد الاغتيال، أعلن أنّ المعنى-إذا صار جماعيًا-لا يُقتل.
إنّ الملثّم، بوجهه الغائب، صار مرآة لوجوهٍ كثيرة حاضرة؛ وبصوته الواحد، صار لسان أمة، تلك هي المفارقة الكبرى: حين يصمت الوجه، يتكلم التاريخ.

