فلسطين أون لاين

تقرير على ضوء الهواتف المحمولة.. جراحة عين في غزة تتحدى الظلام والحرب

...
إجراء عملية بإمكانيات بسيطة في مستشفى العيون غربي مدينة غزة
غزة/ جمال غيث

في غرفة عمليات شبه معتمة داخل مستشفى العيون غربي مدينة غزة، خيّم صمتٌ مشوب بالتوتر، لا يقطعه سوى أنفاس مريض يتمدّد على سرير العمليات، فيما تتجه أنظار الفريق الطبي نحو عينه المصابة.

فجأةً، انطفأت الأنوار وتوقف الطنين الخافت للأجهزة الطبية، معلنًا انقطاع التيار الكهربائي وتوقف المولد الذي يعمل على السولار، في مشهدٍ يختزل المأساة الصحية التي يعيشها القطاع المحاصر.

لم يكن هذا الانقطاع خللًا تقنيًا عابرًا، بل لحظة فارقة كادت أن تحوّل عملية جراحية دقيقة لإنقاذ بصر مريض إلى كارثة. وخلال ثوانٍ، سارع الأطباء والممرضون إلى تشغيل أضواء هواتفهم المحمولة وتوجيهها نحو طاولة العمليات، في محاولة لاستكمال الجراحة وسط ظروف لا تليق بعملٍ طبي يفترض أن يُجرى بأعلى درجات الدقة والتعقيم.

أُخرج من الخدمة

يقول الدكتور عبد السلام صباح، استشاري طب وجراحة العيون ومدير مستشفى العيون في وزارة الصحة بقطاع غزة، إن المستشفى يعمل اليوم في ظروف بالغة القسوة، لا سيما بعد ما تعرّض له من تدميرٍ ممنهج خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع.

ويوضح أن المستشفى خرج عن الخدمة في 21 سبتمبر الماضي، عندما اجتاح جيش الاحتلال حي النصر، وتعرّض المبنى لقصفٍ مدفعي مباشر أجبر الطواقم الطبية على الإخلاء.

ويضيف صباح أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بإخراج المستشفى عن الخدمة، بل تعمّدت تخريب وتدمير عدد كبير من الأجهزة الطبية الحيوية، بما في ذلك أنظمة الطاقة والإنارة في غرف العمليات، وأنظمة الـUPS، وبلوكات الإنارة البديلة التي يُفترض أن تعمل تلقائيًا عند انقطاع التيار الكهربائي.

ويتابع قائلًا: “هذه الأنظمة دُمّرت بالكامل خلال الاقتحام، ولم تتمكن إدارة المستشفى من إعادة توفيرها حتى اليوم، بسبب عدم توفرها في الأسواق ومنع إدخالها إلى القطاع”.

عودة قسرية

وبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، أُعيد تشغيل مستشفى العيون جزئيًا في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025، استجابةً للحاجة الماسة والضغط الهائل من المرضى. إلا أن العودة لم تكن سهلة؛ إذ اكتشفت الطواقم الطبية حجمًا جديدًا من التخريب طال أنظمة التكييف المركزي لغرف العمليات، وحرق المولدات الرئيسية التي كانت تغذّي المستشفى، إلى جانب تدمير منظومة المياه وخزاناتها، وإطلاق النار العشوائي داخل الأقسام والغرف، بحسب مدير المستشفى.

ويؤكد صباح أن مستشفى العيون، بوصفه مستشفى تخصصيًا يعتمد على الجراحات المجهرية الدقيقة، يحتاج إلى بيئة تشغيل مثالية من كهرباء مستقرة، وإنارة دقيقة، وأجهزة تشخيص متقدمة، وهو ما يفتقده اليوم بشكلٍ خطير.

ويعاني المستشفى من خروج عدد كبير من الأجهزة التشخيصية والجراحية عن الخدمة، لا سيما تلك المتعلقة بجراحات الشبكية وإصابات الحرب وسحب الشظايا من مقلة العين. ويقول صباح: “لم يعد بالإمكان إجراء عمليات المياه البيضاء باستخدام تقنية التفتيت والشفط (الفاكو)، بعد تدمير أربعة أجهزة من هذا النوع كانت متوفرة سابقًا”.

ويشير إلى أن هذه الأجهزة غير متوفرة في الأسواق المحلية، كما أن سلطات الاحتلال لا تسمح بإدخالها إلى قطاع غزة، ما يضع آلاف المرضى أمام خطر فقدان البصر الدائم.

قوائم انتظار طويلة

ويستقبل مستشفى العيون يوميًا نحو 200 مريض في العيادات الخارجية وأقسام الطوارئ، وفق ما أفاد به صباح لمراسلنا، “وكثير من هؤلاء يحتاجون إلى تدخلات جراحية عاجلة، مثل مرضى المياه البيضاء، والانفصالات الشبكية، والحَوَل، إضافة إلى مرضى يعانون من مضاعفات إصابات الحرب”.

ويبيّن أن إصابات العيون تُعد من أخطر نتائج الحرب، إذ تشير الإحصائيات إلى أن إصابات العيون تشكّل ما بين 10 و11% من إجمالي الإصابات خلال الحرب، أي ما يقارب 17 ألف مصاب من أصل 171 ألف إصابة. ويؤكد أن نحو 20% من هؤلاء المصابين هم من الأطفال.

مرضى على حافة العمى

في قطاع غزة نحو خمسة آلاف مريض يعانون من مرض الجلوكوما “المياه الزرقاء”، إضافة إلى آلاف المرضى المصابين بأمراض الشبكية والاعتلالات الناتجة عن السكري.

ويحذّر صباح من أن مرضى الجلوكوما، في حال عدم توفر العلاج أو التدخل الجراحي، محكوم عليهم بفقدان البصر خلال سنة إلى سنتين.

ويضيف أن المستهلكات الجراحية والأدوية المتوفرة حاليًا لا تكفي لأكثر من شهر واحد، “وبعدها قد تتوقف خدمات العيون الجراحية بالكامل”.

ويعود صباح إلى مشهد العملية التي انقطع خلالها التيار الكهربائي، موضحًا أن العملية كانت لمريض يعاني من مياه بيضاء كثيفة أفقدته القدرة على الإبصار وممارسة حياته اليومية، لافتًا إلى أن العملية تُصنّف متوسطة وتستغرق عادة ما بين 40 و45 دقيقة، لكنها تعطّلت بسبب انقطاع الكهرباء لمدة عشر دقائق كاملة.

ويكمل: “أكملنا العملية تحت أضواء الهواتف المحمولة. كان ذلك خطرًا حقيقيًا على المريض، لكنه الخيار الوحيد المتاح. هذا المشهد لا يمكن أن يُنسى، وهو يعكس حجم المعاناة التي نعيشها يوميًا”.

وفي ختام حديثه، يوجّه الدكتور صباح نداءً عاجلًا إلى المؤسسات الدولية والعربية والمحلية، مطالبًا بالتدخل الفوري لإنقاذ مرضى عيون غزة، وتوفير المستهلكات الطبية والأدوية والأجهزة اللازمة، والضغط على الاحتلال للسماح بإدخالها.

ويؤكد أن آلاف المرضى مهددون بفقدان البصر خلال أسابيع أو أشهر قليلة إذا لم يتم التحرك العاجل، مضيفًا: “نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من نور أعين مرضانا، لكننا لا نستطيع مواجهة هذه الكارثة وحدنا”.

المصدر / فلسطين أون لاين