فلسطين أون لاين

آخر الأخبار

"افتش عن أمي" و"حرموني من عظامه"

"شهادات أليمة".. كيف عاد الباحثون عن ذَويهم في "ساحة الموت" بمجمَّع الشّفاء بغَزة ؟

...
420241143638758290581.webp
غزة - فلسطين أون لاين

حين انسحب جيش الاحتلال من مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، سارع الأهالي بحثًا عن ذويهم وعن أملٍ أخير باللقاء، لقاء يقبل ببقايا عظام لرفاه عزيز دفت بإحدى ساحات المجمع الطبي، أو لقاء ينهي حالة التيه والفقد الممتدة لأكثر من أسبوعين لدى بعض العائلات التي تشردت، لتكشف بعدها "مآسٍ عديدة، و"مجازر بشعة".

في أولى المقاطع، ظهرك أم تبحث "عن شيء من بقايا فلذة كبدها"، وتردد "حرموني عظامه"، تمضي الأم المكلومة وهي تحوم بالمكان باكية، وراجية الحصول على ما وصفته بـ"عظام ابنها"، وهي تشير إلى الأرض، حيث جرّف الاحتلال الإسرائيلي جثث الشهداء، بالقول: "هنا كان ابني، يا يمة شوفولي ياه، أبوس إديكم؛ حرموني حتى من عظامه، الله يا وجع قلبي".

"اسمه محمد خالد فلفل، واستشهد بتاريخ 19 كانون الأول، أشوفو بس، والله كان بدي أحكيلو كل اللي فيا، وكل ما حصل معي" هكذا روَت أم فلسطينية ما حصل لها ولابنها في محيط مجمع الشفاء الطبّي.

وتابعت الأم المحرُوق قلبها على ابنها محمد فلفل، وهو الشهيد البالغ من العمر 21 سنة، إذ أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف فقط بقتله، بل حرمها أيضا من العثور على جثته، لتُناجي بها نفسها: "أشوف ملامحه يا يمة، وين راح ابني، أشوفو بس" مستفسرة: "ليش يحرموني حتى عظمه؟ حسبي الله ونعم الوكيل".

فقد أمه وهو ابنها الوحيد

أما الصحفي محمد قريقع، يُعبّر عن واحدة من القصص المؤلمة الكثيرة التي دفنها جيش الاحتلال تحت رمال المستشفى، فقد أعلن في 25 آذار/ مارس الماضي، عن فقدان والدته ونشر مناشدة عاجلة بهذا الخصوص.

وكتب قريقع: "والدتي نعمة إبراهيم قريقع، تبلغ من العمر 64 عامًا، فقدت أثرها، بعد حصار الاحتلال لمستشفى الشفاء بغزة، وقد طلب من النساء المغادرة من الشارع الجنوبي للمستشفى، باتجاه الغرب".

وتابع قائلا: "والدتي سقطت أرضًا بعد خروجها من المستشفى، وفق كلام النساء، وكانت تصرخ (النجدة النجدة)، والدتي كانت تجاور دبابات الاحتلال".

واستكمل بقوله: "أتمنى من كل شخص يساعد في وصول هذه المناشدة، وأسال الله أن يردها إلينا سالمة غانمة، علما بأنها تعاني من مرضي السكر والقلب".

وقبل أيام من انسحاب جيش الاحتلال، قال قريقع: "لمن يسأل، أواصل البحث عن والدتي بين مراكز الإيواء وتجمعات النازحين المختلفة في شمال قطاع غزة، كلي أمل وثقة بربي أن أجدها سالمة غانمة".

وأشار قائلا: "أفتش في شوارع المدينة وأزقتها، أسأل المارة، أطرق الأبواب، أستريح عند عتبات البيوت القديمة، طريقي طويل، لا مجال للجلوس، أواصل المسير، عليّ أن أجد والدتي أو أسمع صوتها".

لكن هذا الانتظار والبحث انتهى بصدمة كبيرة تعكس المشهد الإجرامي لجيش الاحتلال في مجمع الشفاء الطبي، حينما وجد قريقع والدته وقد فارقت الحياة بعد قتلها بأيدي قوات الاحتلال في محيط المستشفى.

وأكد الصحفي قريقع استشهاد والدته برصاص قناص إسرائيلي قرب مجمع الشفاء، كاشفا عن آخر كلماتها: "آه يا حبيبي، فش عندي مية أشرب الدوا، ولا أكل، ونمت على الأرض الليلة".

ورثى قريقع والدته قائلا: "هذه أمي وأنا ابنها الوحيد محمد، سلام يمّا، سلام يا حبيبتي إلى جنات النعيم يا حاجة نعمة"، لافتا إلى أنها في حياتها لم تؤذِ أحدا، وجنود الاحتلال غدروا بها وقتلوها.

لم نتمكن من العثور على أي شخص على قيد الحياة

عاد مئات النازحين الفلسطينيين إلى منازلهم بالقرب من مستشفى الشفاء، أمس الإثنين، ليجدوا جثثاً متناثرة داخل المستشفى وخارجه بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.

لكن السكان المحليين قالوا لـ "موقع ميدل إيست آي"، إن الغارة دمرت جزءًا كبيرًا من مجمع مستشفى الشفاء المترامي الأطراف والمناطق السكنية القريبة، مع وجود عشرات المدنيين محاصرين وسط أنقاض المباني السكنية المنهارة.

ووجد المئات من السكان المحليين الذين تجمعوا في المنطقة مشهدًا من الدمار، حيث توجد مباني متفحمة وأكوام من التراب التي جرفتها الجرافات، وجرحى فلسطينيون على نقالات.

وقال أحد السكان المحليين، أحمد عبد الواحد، إنه قضى معظم الصباح مع أصدقائه في البحث بين أنقاض البرج المكون من أربعة طوابق، حيث كانت تعيش عائلته ذات يوم، على أمل العثور على أحبائهم الذين ما زالوا على قيد الحياة.

ولا يزال العديد من أفراد عائلة عبد الواحد في عداد المفقودين بعد الحصار الإسرائيلي المدمر على الحي، بما في ذلك أخته وأربعة من أطفالها الصغار.

وقال وهو ينقب بين الركام والمعادن الملتوية في منزلهم بيديه العاريتين، إنه تم انتشال جثث أربعة فلسطينيين بعد عملية بحث طويلةوفي مكان قريب كانت الجثث، بعضها مغطى ببطانيات قذرة، متناثرة حول الهيكل المتفحم للمباني المحترقة.

تم حرث الأرض بشدة، وسوت العديد من المباني بالأرض أو على وشك السقوط أو احترقت بالكامل.

وقال عبد الواحد لموقع "Middle East Eye": "ذهبت إلى منزل أختي مع صديق، لكن منزلهم دُمر بالكامل". "لقد تمكنا من انتشال أربع جثث من أصل 24، مردفًا: "لا يوجد دفاع مدني ولا أدوات (حفارات)، لذلك كان علينا استخدام أيدينا وأدوات بسيطة. والذين تمكنا من إنقاذهم كانوا قريبين من السطح".

ويشر إلى، أن بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من مجمع الشفاء، ظلت رائحة الجثث المتحللة كثيفة ومثيره للغثيان في الهواء، ومن غير المرجح أن يجدوا المزيد من الناجين.

ويردف: "كانت الرائحة في شارع الوحدة الذي يمر بمعظم شمال غزة منذ البداية حتى منزل عائلتي تفوح منها رائحة الموت، حيث الجثث المتحللة والجثث مغطاة بالذباب".

وأكد المواطن الغزي، أن جيش الاحتلال طوال فترة مكوثه في مستشفى الشفاء دمر جميع طوابق المبنى الأربعة بالكامل، مضيفًا: ولم نتمكن من العثور على أي شخص على قيد الحياة. لقد حطمنا الجدران للوصول إلى الغرفة التي اعتقدنا أن الأسرة كانت قد تجمعت فيها قبل الغارة. وكان أول شيء عثرنا عليه هو يد فتاة صغيرة". "ثم انتشلنا جثة تحت الأنقاض لمدة ستة أيام."

جرائم وحشية

بعد 15 يومًا، انسحب جيش الاحتلال من مجمع الشفاء الطبي والمناطق المحيطة به واتجهت قواته جنوبًا، يوم أمس الإثنين، وذلك بعد نحو أسبوعين من الحصار والقتل والتدمير الذي ارتكبه الاحتلال، وكشف انسحاب الاحتلال من الشفاء عن مئات جثث الشهداء بالشوارع، ومنازل مفحمة ودمار هائل.

وعندما تكشف الصباح، عثر الأهالي على مئات من جثث الشهداء في مجمع الشفاء الطبي ومحيطه غرب مدينة غزة، "إعدامات ميدانية" بحق المصابين والمرضى والكوادر الطبية، إلى جانب دفن العشرات منهم هم أحياء، وفق شهادات من كانوا محاصرين في المشفى.

وأدلى شهود عيان من مستشفى الشفاء بغزة بشهادات مروعة، كشفوا فيها عن إعدام عشرات المعتقلين من النازحين والجرحى، في أروقة وأقسام المستشفى المدمر، في أعقاب حصار وعدوان استمر أسبوعين.

وقال الشهود، إن عشرات الشهداء عثر عليهم داخل المستشفى، بعضهم مكبلو الأيدي ويظهر عليهم آثار إطلاق نار من مسافات قريبة، مؤكدين أن رائحة الموت تفوح من كل ركن ومكان في المستشفى.

ولفتوا إلى أن قوات الاحتلال حاولت إخفاء جريمتها قبل الانسحاب بدفن عشرات الجثث تحت الأرض، بعد أن عاثت خرابا وتدميرا في المستشفى وأحالت أجزاء من الأقسام الرئيسية إلى ركام، باستخدام الجرافات العسكرية، والقنابل المدمرة،

وقال أحد الشهود، إنه أمكن رؤية آثار تعذيب على بعض جثث الشهداء، خاصة أولئك الذي يعتقد أنهم أعدموا خلال الساعات القليلة الماضية، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من الشهداء أعدموا خلال الأيام الأولى من اقتحام المستشفى، وبدأت جثثهم بالتحلل.

وشدد الشاهد على، أن بعض الشهداء يعتقد أنهم من الجرحى إذ تظهر  جبائر وأقمشة طبية على أطرافهم، ما يعني أن قوات الاحتلال أعدمت جرحى كانوا يتلقون العلاج في المستشفى.

وأضاف أنه جاء ليبحث عن جثة أخيه ليواريها الثرى، بعد أن وصله خبر استشهاده في الأيام الأولى من اقتحام المستشفى، حيث إنه كان يرافق أحد الجرحى النزلاء داخل المستشفى ويقوم على رعايته.

"جثامين محترقة" وأخرى "مقطعة الرؤوس".. الأورومتوسطي: مستشفى الشفاء يسجل إحدى أكبر المذابح في التاريخ الفلسطيني

من جهته، قال المرصد الأورومتوسطي، إنّ التقديرات الأولية تفيد بأن أكثر من 1500 فلسطيني ما بين شهيد وجريح ومفقود، نصفهم من النساء والأطفال، بفعل المذبحة الإسرائيلية في مجمع الشفاء الطبي ومحيطه، وذلك بناء على الإفادات الواردة إليه ومشاهداته، حيث أن هنالك مئات من الجثامين داخل المجمع وفي المنطقة المحيطة به، منها جثامين محترقة وأخرى مقطعة الرؤوس والأوصال.

وأوضح الأورومتوسطي، في بيان صحافي، أن من بين ضحايا المذبحة أكثر من 22 مريضًا على الأقل قتلوا على آسرة المستشفيات بفعل الحصار الإسرائيلي للمجمع وتعمد حرمانهم من الرعاية الطبية والغذاء والطعام، لافتا إلى أن الجيش تعمد طوال فترة عملياته العسكرية عرقلة وصول الفرق الإغاثية وممثلي المنظمات الدولية إلى المجمع للقيام بمهام إنسانية أو عمليات إجلاء.

 بالإضافة إلى، تعمد جيش الإسرائيلي بتفريغ المجمع من كوادره العاملة، وبخاصة الطبية، سواء بالإعدام أو بالاعتقال أو بالإجبار على النزوح، فيما يبقى مصير بعضهم مجهولا حتى الآن. بحسب المرصد.

وأكد الأورومتوسطي، أن مجمع الشفاء أصبح الآن خارج عن الخدمة بشكل كامل، بعد أن دمر الجيش الإسرائيلي جميع مبانيه بالتفجير والحرق، بما في ذلك ثلاجة الموتى، وساحاته وممراته الداخلية والخارجية.

وشدد المرصد الحقوقي، على أن هذه الجريمة التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد مجمع الشفاء الطبي، تأتي في مقدمة الخطة المنهجية والمنظمة والواسعة النطاق التي تنفذها إسرائيل ضد القطاع الصحي في قطاع غزة لإخراجه عن الخدمة بالتدمير والحصار، وإيصاله إلى نقطة اللاعودة، وحرمان الفلسطينيين من في القطاع من فرص النجاة والحياة والاستشفاء.

وأجبرت قوات الجيش الإسرائيلي، بحسب الأورمتوسطي، أكثر من 25 ألف مدني فلسطيني على النزوح بالقوة من مناطق سكنها في محيط مجمع الشفاء الطبي، بعد أن مارست بحق العائلات في المنطقة العديد من الجرائم، بما في ذلك القتل والاستهداف والحصار والاعتقالات التعسفية والتجويع، فضلا عن الإضرار الشامل بالمنازل والأعيان المدنية بالتدمير والحرق، وأضاف أن التقديرات الأولية تظهر بأن الجيش الإسرائيلي دمر وحرق أكثر من 1200 وحدة سكنية في محيط مجمع الشفاء الطبي.

وكان الجيش الإسرائيلي سحب قواته وآلياته العسكرية فجر اليوم الاثنين من داخل ومحيط مجمع الشفاء الطبي والذي كان يعد أكبر مؤسسة صحية طبية داخل قطاع غزة، ويضم ثلاث مستشفيات تخصصية هي مستشفى الجراحة ومستشفى الباطنة ومستشفى النساء والتوليد، وتبلغ القدرة السريرية الإجمالية له 800 سرير. والمجمع الذي بني على مساحة 42000 م2 كان يتكون من عدة أبنية وبعض الأبنية تتكون من عدة طوابق، ويخدم منطقة التغطية الخاصة بمحافظة غزة وقطاع غزة بشكل عام.

ودعا المرصد الجهات المحلية المسؤولة بضرورة الإسراع على الحفاظ على مسرح الجريمة والأدلة المرتبطة بها، توثيقها، واتخاذ كافة التدابير الممكنة واللازمة لوقايتها من التدمير أو الضياع أو العبث.

كما طالب الأورومتوسطي جميع الناجين وشهود العيّان للتواصل مع طواقمه على الرقم (00447775170355) للإفادة بشهاداتهم حول الجرائم التي شهدوها في مجمع شفاء الطبي ومحيطه، من أجل توثيقها وفقا للأصول وحفظها لغايات التحقيقات الدولية وعمل اللازم بشأنها، بما في ذلك مخاطبة المؤسسات الدولية ذات الاختصاص.

وحث المرصد الحقوقي، كافة الجهات والمؤسسات الدولية الموجودة والعاملة في قطاع غزة إلى توجه إلى مسرح الجريمة لتوثيق كافة الأدلة الجنائية المرتبطة بهذه الجريمة وسماع شهادات الضحايا والشهود، بما في ذلك مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وحذر الأورومتوسطي، من مغبة استمرار "إسرائيل" في محاولتها لإفراغ مدينة غزة والشمال من ساكنيها وإجبارهم على النزوح قسرا نحو الجنوب، من خلال أوامر التهجير القسرية وتحت وطأة العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين، والتجويع، والحصار، والحرمان من مقومات الحياة الأساسية، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الطبية، وذلك كله يأتي في إطار جريمة التهجير القسري التي ترتكبها إسرائيل على نحو أشمل ضد جميع سكان قطاع غزة.