​قدما نفسيهما في سبيل تحقيقه

العهد الذي أوفى به "شمالي" و"العرعير"..

...
غزة - نبيل سنونو

لا عجب أن المسجد العمري الكبير ضاق، هذه المرة، بالمواطنين، كانوا يأتون من كل حدب وصوب، ليس لديهم سوى هدف واحد، الصلاة على رجليْن، ربما لا يعرفونهما شخصيا، لكن يكفي أنهما مقاتلان في تلك الكتائب التي تربطها علاقة "عشق" بالشعب الفلسطيني.

نشرت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، أول من أمس، نبأ ارتقاء إسماعيل عبد الكريم شمالي (27 عاما)، ورامي منير العرعير (24 عاما) من حي الشجاعية شرق غزة، بسبب انهيار نفق كانا يعدانه لمواجهة أي عدوان إسرائيلي قادم، وتلقى الغزيون هذا الخبر بالحزن على فقد هذين المقاوِمَيْنِ، والتهنئة بارتقائهما شهداء.

كان الناس أمس، يتنافسون على السير في مقدمة "عرس الشهادة" المهيب، كما أحبوا أن يطلقوا عليه، انطلاقا من مستشفى الشفاء إلى منزلي الشهيدين في حي الشجاعية شرق غزة، الذي إنْ سألتَ عنه أحد الغزيين، سيجيب: "الشجاعية، وما أدراك ما الشجاعية؟"، فهو يمثل منطقة مهمة صد فيها المقاومون عدوان الاحتلال الإسرائيلي.

كأنما لم ينم أحدهم ليلتها، انتظارا "على أحر من الجمر" للمشاركة في هذا المشهد المهيب، انطلقوا سيرا على الأقدام حول سيارة إسعاف تحمل جثمان الشهيدين، وسيارات خاصة بالمقاومين في "القسام"، كأنما كان الناس يحتضنون الكتائب وسياراتها وجثماني الشهيدين احتضانا.

-"عرس الشهادة حرر أراضينا.. يا غزة وينه يللي يعادينا"، صدح صوت المذياع الذي كان يرافق المسير إلى منزلي الشهيدين.

بدا على الناس أنهم يهرولون هرولة للوصول إلى المسجد، ولما وصلوا هرولوا أيضًا من أجل "الظفر" بمكان يصلون فيه على الشهيدين.

وصلت سيارة الإسعاف إلى المسجد العمري الكبير، كانت جميع الأنظار ترقب هذا المشهد، كان الفخر بـ"القسام" وبسلاحها وبمقاوميها، يقفز من عيون الباعة والمارة، جميعهم توقفوا عن عمل أي شيء، سوى مراقبة هذا المشهد.

"لا إله إلا الله، محمد رسول الله"؛ توشح الشهيدان براية "حماس" الخضراء، التي يتوسطها توحيد الله، فيما يحمل مقاومون من "القسام" جثمان رفيقي دربهم الشهيدين العرعير وشمالي.

-"ما أجملكم..!"، سمعت أحد المارة ينظر إلى مقاومي "القسام" ويحدث نفسه بهذه الجملة، فلما انتبه لي، قال: "لا يتركون سلاحهم أبدا، في أي مناسبة.. يؤكدون أنهم مستعدون لقتال الاحتلال.. أحبهم والله!".

وصل الجثمانان إلى مكانهما المخصص في "العمري الكبير" بسرعة، وكان سباق الناس للوصول إلى المسجد طبيعي، فهم يؤمنون بأن وجهة الشهيدين هي الجنة.

في انتظار المصلين كان عضوا المكتب السياسي لـ"حماس" د. خليل الحية، وفتحي حماد، والنائب الأول لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني د. أحمد بحر، الذين يلهبون حماس الجماهير بكلماتهم دعما وترسيخا للمقاومة في نفوسهم.

هنا، ترسخت الوحدة الوطنية، كأنما يقول المشهد: إن كلمة السر للوحدة هي المقاومة، اجتمع مسؤولون من فصائل مختلفة، ليقولوا بصوت واحد: نعم للمقاومة.

قعد المصلون في أماكنهم، وتزين المسجد بالشهيدين يحيطهم مقاومون من "القسام"، لكن أنظار المصلين ما قعدت! كلها كانت تتجه لنيل شرف إلقاء ولو نظرة واحدة على الشهيدين.

ولما تحدث حماد، أنصت الجميع، قال لهم ما لم يكن كثيرون يعرفونه عن الشهيدين، وحياتهما، إضافة إلى دورهما في صد العدوان الإسرائيلي.

لقد كان الشهيد شمالي، مقاوما شاملا، "حرص على أن يجمع ما بين الجهاد والدعوة والجلوس في المسجد حتى طلوع الشمس من بعد صلاة الفجر، هذا الأخ الذي جمع بين عمارة المسجد وعمارة الدعوة والإعداد والجهاد في سبيل الله"؛ أخبر حماد المصلين بذلك.

وحماد في استخدامه لكلمة الإعداد، يؤكد على منهج حماس التي تعد كل أدوات المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومنها الأنفاق التي شكلت عاملا مهما في الردود النوعية التي جابهت بها المقاومة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.

لم يكن شمالي داعية فحسب، لقد كان أيضًا قائدا ميدانيا أحب الجهاد عن علم وإصرار- أكد حماد- مضيفا: "لقد درس أصول الدين ودرس رسالة الماجستير وكان على وشك أن يتخرج لكن الله اصطفاه في العلياء".

ووصفه بأنه "طالب علم مجتهد يقضي كل وقته في سبيل الله ما بين المسجد والدعوة والإعداد والجهاد وتعليم الناس الإسلام".

وكان في جعبة حماد المزيد عن شمالي: "إنه أحد أبطال المدفعية، دك كل المغتصبات الصهيونية وشارك في كل الحروب".

أما الشهيد العرعير، فهو "كذلك جمع بين الدعوة والجهاد.. لقد أنهى دراسة الشريعة والقانون، هذا الأخ الحبيب الذي ارتقى في سبيل الله قدَّم (التضحيات) حتى آخر لحظة"؛ تحدث حماد بصوت حماسي.

وأضاف: "لقد حفظ عمله، ولم يتخل عن دوره في المسجد، هو مسؤول اللجنة الاجتماعية، ومحفظ القرآن وأحد أبطال المدفعية الذي دك كل المغتصبات المحيطة".

"حلم" كل فلسطيني

وقبل دقائق معدودات من رفع آذان الظهر، استثمر حماد الوقت بالتأكيد على مواصلة المقاومة، وعن الشهداء، "أبطال الطائفة المنصورة"، متابعا: "هذه الطائفة التي لم تنقطع عن الجهاد وعن الدعوة والإعداد.. هذه الحركة الماجدة (حماس) التي تدير أكثر من 1000 مسجد في قطاع غزة تُخرِّج الأجيال من المجاهدين والحفظة (للقرآن الكريم) والثابتين على طريق الدعوة".

رفع المؤذن آذان الظهر، وصلينا جميعا، قبل أن تحين اللحظة التي رفع فيها المقاومون من "القسام" جثماني الشهيدين.

رأيت هناك والد الشهيد شمالي، الذي تحكي كل شعرة بيضاء في رأسه عن صموده ووقاره.

كانت الدموع تنهمر من عينيه كشلال، حزنا لأن فراق الابن- لاشك- صعب، وفخرا لأن ابنه إسماعيل، ورفيقه رامي أوفيا بعهدهما في الدفاع عن فلسطين بكل ما يملكان، ولأنهما نالا الشهادة التي يحلم بها كل فلسطيني.