فلسطين أون لاين

في قلب مخيم عايدة

تقرير من مخلفات قنابل "الموت" الإسرائيلية يصنع "الوعرة" الحياة

...
من مخلفات قنابل "الموت" الإسرائيلية يصنع "الوعرة" الحياة 
بيت لحم-غزة/ مريم الشوبكي:

داخل مشغله بمخيم عايدة قرب مدينة بيت لحم، يعمل أكرم الوعرة على تحويل أدوات القتل الإسرائيلية إلى تحف فنية، وأدوات زينة يبيعها إلى سياح الأجانب. 

بدأ الوعرة في العمل على صناعة الحلي من مخلفات الأسلحة الإسرائيلية في عام 2014، وذلك عندما شهدت المدينة موجة من المواجهات العنيفة مع الاحتلال الإسرائيلي، وكان المخيم له النصيب الأكبر منها، إذ يستهدف الجيش الشبان المنتفضين بمئات قنابل الغاز المسيل للدموع.

ويلفت إلى أن الصدفة وحدها هي من قادته إلى استثمار قنابل الغاز المسيل للدموع لصناعة الحلي، بعد أن ألقى الجيش الإسرائيلي مجموعة من القنابل على الحي الذي يسكنه في المخيم حيث وجد العشرات من المقذوفات أمام منزله.

رواج الفكرة

وغالبية ما يصنعه المهندس المدني المولع بالفنون، يحمل رموزًا وعبارات وطنية، ومنها ما هو تحف لتزيين المنازل، وأخرى حلي للسيدات.

يقول لـ"فلسطين": "كنت قبل ذلك أصنع الحلي والتحف الفنية من كل شيء قابل لإعادة التدوير كالملاعق والأشواك وأسلاك الكهرباء، بتحويلها إلى حلي وحتى الإكسسوارات التي تستغني عنها النسوة، ولكن بعدها أصبحت أعيد تدوير قنابل الغاز ولاقت فكرتي رواجًا كبيرًا من السياح الأجانب الذين دهشوا بالفكرة".

ويضيف الوعرة (56عامًا): "أقوم بتجميع بقايا قنابل الغاز بنفسي من المخيم، ومناطق أخرى كالخليل، ورام الله، كما أن بعض أصدقائي، والسياح الأجانب يجمعونها لي، وبعضها اشتريها من باعة الخردة"، مشيرًا إلى أنه يعمل على معالجة المقذوفات بمواد خاصة لتصبح صالحة للاستخدام، لتبدأ مرحلة جديدة.

ويحرص الوعرة على أن تحمل الحلي والتحف التي يصنعها رموزًا وطنية، ويقول: إن فلسفته تقوم على أن "الشعب الفلسطيني قادر على استثمار آلة الدمار الإسرائيلية لإيصال رسالته إلى العالم، بأنه يتوق إلى الحرية والسلام والعيش كبقية الشعوب دون احتلال".

ومن بين ما يصنعه من حلي عقود، وأساور تحاكي خريطة فلسطين، ومفتاح العودة، وشجرة الزيتون، ويعمل كذلك على نحت رسومات جدار الفصل العنصري كحمامة ترمز للسلام مقتولة برصاص الاحتلال، بهدف إرسال رسائل إنسانية إلى العالم بأن الشعب الفلسطيني الذي يعاني القهر، والاضطهاد قادر على بث الروح فيه من جديد لمواصلة الصمود، والدفاع عن هذه الأرض.

وبحسب الوعرة فإن تقريرًا لإحدى الجامعات الأمريكية صنف مخيم عايدة كأكثر بقعة في العالم تتأثر بالغاز المسيل للدموع.

وفي 2017، كشف تقرير لصحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية عن تحول مخيم عايدة إلى أكبر مجتمع تعرض للغاز المسيل للدموع بالعالم، بحسب دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا بيركلي.

فن ونضال

وقد شجعه ذلك أكثر على الاستمرار في إعادة تدوير قنابل الغاز السامة التي يقصد بها الاحتلال قتل الفلسطينيين، وجعلها رسائل أمل، وحياة تصنع بأيد فلسطينية، يحملها السائح إلى بلاده حيث يعرف غيره عما يعانيه الشعب الفلسطيني.

وأُنشأ مخيم عايدة عام 1948 في المنطقة الغربية الواقعة بين بيت لحم وبيت جالا، على الناحية الغربية للطريق الرئيس (الخليل – القدس)، وكانت مساحته عند الإنشاء 60 دونماً، ثم أصبحت 115 دونماً، وحسب تقديرات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" يبلغ عدد سكانه في منتصف العام 2023 نحو 3179 لاجئ.

وينتمي اللاجئون الأصليون في المخيم إلى 17 قرية تابعة للجزء الغربي من منطقتي القدس والخليل، بما فيها: الولجة، وخربة العمر، وقبو، وعجور، وعلار، ودير أبان، وماليحا، وراس أبو عمار، وبيت نتيف.

ويلفت الوعرة إلى أن تصنيع الحلي من مخلفات قنابل الصوت بدأ كمصدر رزق لكسب المال، ولكن مع مرور الوقت وإقبال السياح على اقتنائها تحولت إلى فن ونضال لنقل معاناة الشعب الفلسطيني.

ويبين أن التعامل مع مخلفات القنابل أمر حساس للغاية، لحجم المخاطر الكبير التي تحمله المواد الكيميائية، والتي تؤثر على الجهاز التنفسي، مشيرًا إلى أنه عانى في السنوات الماضية أمراضًا تنفسية، وجلدية لاحتكاكه المستمر والمباشر مع تلك المواد، لهذا يخشى على أبنائه من معوناته في عمله الذي يعده خطيرًا على صحته.

وعن المراحل التي تمر بها عملية إعادة تدوير قنابل الغاز، يذكر أنها تمر بعملية شاقة حتى يصل إلى مرحلة إنتاجها فعليًّا، إذ يبدأ في قص المخلفات وتنظيفها وتطهيرها من المواد الكيماوية السامة العالقة فيها، ومن ثم تقطيعها إلى قطع صغيرة تستخدم في صناعة الحلي، ثم يقوم بتبسيطها، وفردها، وتفريغها في بعض الأحيان، ومن ثم دهنها، والكتابة عليها.