فلسطين أون لاين

ابنه محمد لـ"فلسطين": كان يصطحبنا للمواجهات دائمًا

تقرير مفيد اخليل.. شهيدٌ باع روحه فداءً لـ"بيت أمّر"

...
الشهيد مفيد اخليل
الخليل-غزة/ يحيى اليعقوبي:

ابتلعت جدران غرفة منزله أصوات رصاصات إسرائيلية كثيفة دوى صدى صوتها من اتجاهاتها الأربعة، أيقظت مفيد اخليل (44 عامًا) من نومه لحظة اقتحام قوات الاحتلال بلدة "بيت أمر" شمال مدينة الخليل، فهرع برفقة الأهالي واصطحب أبناءه الثلاثة للمشاركة في التصدي، ورجم القوات المقتحمة بالحجارة.

ارتج هاتف ابنه محمد (23 عامًا)، الذي يقف على مسافةٍ بعيدة عنه، وسط المواجهات مساء أول من أمس، عدة مرات، دفعته المكالمات المتتالية لتصفح الإنترنت، ليقف أمام صورة لوالده، تزامن مع اتصال هاتفي من صديقه أخبره بإصابة والده، لتمهيد تجرعه لصدمة الفقد التي وقف أمامها بالمشفى حينما رأى سنده مسجىً في دمائه، بعد إعدامه برصاصة قناص إسرائيلي اخترقت رأسه.

آخر اللحظات

تتناثر كلمات محمد بين وجع الفقد، ترافقها دموع قهر، تنصت صحيفة "فلسطين" لآخر اللحظات التي جمعتهما معًا: "استيقظ على صوت إطلاق النار، وجاءني وقال لي: تعال معي، وأخذني مع إخوتي معه للتصدي لقوات الاحتلال، وهو دائمًا يصطحبنا أمامه للمواجهات ليغرس فينا الانتماء لبلدتنا ولقضيتنا".

"هو أب عن حق وصديق لنا، استشهاده كسر الظهر" يبكي محمد حزنًا على رحيل والده، سرعان ما غاب الصوت بين متاهات الألم، علمًا أن لدى الشهيد إضافة لمحمد أربعة أبناء هم: قصي (20 عاما) ومحمود (18 عاما)، وأيهم (15 عاما)، وريماس (12 عامًا).

هنا؛ تتسابق كلمات الفخر من حنجرة شقيقه صادق اخليل، متحدثًا لصحيفة "فلسطين"، أن كل أهالي "بيت أمر" "هبوا للتصدي لقوات الاحتلال مع توارد أنباء عن محاصرة الشبان لجيب عسكري إسرائيلي، دفعت بالاحتلال إلى إرسال تعزيزات عسكرية كبيرة تخللها إطلاق نار بشكل كثيف على الأهالي، اختار الله أخي مفيد أن يكون شهيدًا بعد استهدافه من نقطة صفر".

6 بصمات بجسده

قبل الاستشهاد، كان مفيد "مشروع شهادة" حسب وصف شقيقه، اعتقله الاحتلال عاما ونصف العام في 2006، بتهمة "رشق الحجارة"، أصيب أكثر من خمس مرات، بينها مرة أعلن فيها عن استشهاده، ليرحل بتلك البصمات الخمس التي أضيف إليها لقب الشهيد.

في المرة الأولى أصابت شظية يده، وفي الثانية أصابت رصاصة ركبته وظلَّ يعاني آثارها لسنوات طويلة، وفي الثالثة أصابت شظية رصاصة صدره، يتوقف شقيقه عند إصابته الرابعة التي حدثت قبل أربعة أشهر قائلاً: "أصيب بشظية رصاصة متفجرة في رأسه، وأحدثت نزيفًا كبيرًا، ويومها تضاربت الأنباء حتى نُقل للمشفى وتبين أن حالته مستقرة".

في إصابته الخامسة ورغم تهتك الدماغ، فإن نبضات قلبه التي لم تتوقف بعثت الأمل في قلب شقيقه صادق، رغم أن الطبيب أخبره بصعوبة الحالة، حتى استشهد، ينقل آخر كلمات قالها شقيقه لشهود عيان، بأنه "وخلال قيام أحد الأشخاص بتصوير المواجهات عبر البث المباشر، انتبه المصور لتقدم مفيد، فنادى عليه: "تطلعش، تبينش على الجيش"، لم تدفع كلماته مفيد للتراجع.

خرج مفيد من أسرة مقاومة مرتبطة بحب فلسطين، فشقيقه صادق اعتقل خمس سنوات لدى الاحتلال، جمع كل محاور النضال الفلسطيني التي توجت بالشهادة ورحل.

مفيد عامل زراعي، لديه حفارة وتركتور زراعي، يقدم خدمات زراعية لأهالي البلدة، ولديه أرض بمساحة أربعة دونمات يزرعها بالعنب، ورغم وضعه المادي الجيد لم يبخل في التصدي للاحتلال بأبسط الأدوات، سار في طريقٍ مقاوم منذ صغره بالحجر وختم الطريق بذات الحجر الذي ورثه لأبنائه.

رغم وجود مشكلة عائلية بين عائلتي "اخليل وأبو عياش" لم تنفع معها مئات الوساطات في ردم الخلاف وإعادة روابط العلاقات لمجراها الصحيح، حمل أفراد من عائلة أبو عياش الشهيد على أكتافهم، يعد شقيقه ذلك، "نقلة نوعية لتوجيه البوصلة صوب الاحتلال، وإنهاء الخلاف العائلي نحو الصلح الذي قربته دماء مفيد.

قبل استشهاده بليلة، جاء مفيد لشقيقه صادق، يطلب منه البحث عن عروس له، ووعده الأخير بتلبية طلبه، ولم يدرِ أنه سيزفه عريسًا إلى "الحور العين"، في عرس الشهادة خرج لتشييعه الآلاف من "بيت أمر".