لا تقتصر معاناة عاكف اشتية من محافظة نابلس على تغييب أبنائه الأربعة في سجون الاحتلال والسلطة عن المنزل الذي بات فارغًا من أصواتهم وحضورهم كما افتقدتهم البلدة القديمة في "جبل النار"، بل متابعته لأوضاعهم وتطور قضاياهم بحد ذاتها أمر مرهق له.
فعلى مقربة من حدود الأردن شرقًا تعتقل السلطة ابنه "مصعب" منذ شهر وتتجاهل أمرًا قضائيًّا بإخلاء سبيله، وفي شمال فلسطين يعتقل الاحتلال نجليه "أنس" منذ عام ونصف و"خالد" منذ أربعة أشهر بسجن "مجدو"، وفي الداخل المحتل يعتقل ابنه صهيب بمركز تحقيق "بتاح تكفا" منذ أول من أمس.
تلقَّى عاكف اشتية والد الأسرى والمعتقلين الأربعة، اتصالًا أول من أمس، الساعة الرابعة والنصف عصرًا، بوجود قوات إسرائيلية خاصة بلباس مدني "مستعربين" في معرض "أجهزة خلوية" يملكه ابنه مصعب، قامت القوة بالتمويه وإظهار أنهم يريدون شراء هاتفٍ.
بينما انشغل صهيب، كما يروي والده لصحيفة "فلسطين" التفاصيل عبر الهاتف، في عرض هواتف نقالة لهم، بعدما لم يشك في ملامحهم ولا بطريقة حديثهم، قام اثنان بمباغتته وتقييده، ثم تولت عناصر المجموعة الأخرى مهمة مصادرة الهواتف الخلوية، والانسحاب من قلب مدينة نابلس.
يتابع: "عندما تلقيت الاتصال، ذهبت في السيارة لكني وجدت المحل فارغًا تمامًا، وقوة "المستعربين" اعتقلت ابني صهيب، حتى إنهم قاموا بتقييد شابٍّ كان بالمحل وحبسوه في دورة المياه، فأخرجناه، وأغلقت المحل وعُدتُّ إلى منزلي الفارغ أيضًا من أبنائي".
"حسبنا الله ونعم الوكيل"، دعاء مثقل بمتاعب ومعاناة سبق صوت اشتية الأب الذي أصبح أبًا لأربعة معتقلين، يردف: "متابعة أوضاعهم دون زيارات معاناة بحد ذاتها، كل واحد فيهم معتقل بمكان بعيد بمسافات شاسعة عن الآخر، لأنك تتابع مع القضاء والمحامي، ومتطلبات المعتقلين".
يُعدِّدُ بعضًا من المتطلبات التي يحتاج إليها أبناؤه بعدما أوقف "سيارة الأجرة"، وأكمل حديثه قائلًا: "كلُّ أسبوع يحتاجون إلى ملابس، وطعام، وكانتينا وأتحدث هنا عن أنس وخالد، ومصعب يحتاج لمتابعة خاصة في سجن السلطة بأريحا، وابني صهيب الذي لم يتجاوز عمره ثمانية عشر عامًا أيضًا يحتاجُ إلى دعم معنوي لكونه الآن يتعرض لتحقيق".
أوقف الاحتلال تصريح الأب لزيارة أبنائه، ومُنع من زيارتهم، أفرغوا محل الهواتف الخلوية مصدر رزق العائلة، يزاحم القهر صوته: "كان البيت عامرًا بأولادي، الآن لم يبقَ إلا أنا وزوجتي، يا أخي، قد تعجز الكلمات عن وصف الواقع الذي نعيشه حاليًّا".
غصة وحسرة تعلق في صوته على ضياع "تعب السنين": "المحل لابني مصعب، حاولت أطرافٌ عديدة إغلاقه، لكنها لم تستطع، والآن أغلقه الاحتلال، وصادر محتويات وتعب سنوات عديدة وكان يستر حالنا لأنني سائق أجرة عمومي، لكنّ الأهم من المعرض هو اعتقال أبنائي".
قد يستوعب اشتية اعتقال أبنائه لدى الاحتلال الذي يلاحق كل شيء وطني، لكنه لا يجد سببًا لاستمرار اعتقال ابنه مصعب لدى السلطة خاصةً أنّ هناك قرارًا قضائيًّا صادرًا عن المحكمة العليا بإخلاء سبيله، ولأنه "غير مُدانٍ من قِبل للسلطة ولا توجد لائحة اتهام ضده، وهو مطاردٌ للاحتلال، وكنا نتوقع أن تعتقله قوات إسرائيلية خاصة وليس السلطة التي تتغنَّى بالديمقراطية وعدم مصادرة سلاح المقاومين والتعرُّض لهم" يقول اشتية.
عندما مرَّ 12 يومًا على اعتقال مصعب، صدر أمر قضائي من المحكمة العليا ومن النيابة بالإفراج عنه لعدم وجود لائحة اتهام.
ذهب اشتية بسيارته ليعود بابنه إلى البيت من المعتقل بعدما قطع مسافةً طويلة، لكنه وقف أمام حقيقة "مُرَّة" جربها كل من ذاق "ويلات الاعتقال السياسي": "تفاجأت بخروج أحد عناصر الأمن يقول لي لا يوجد إفراج لمصعب، هو معتقل على ذمة الجهاز (الوقائي)"، فأخرجتُ له ورقة إخلاء السبيل، ليرد ضابط الأمن بسخرية من الورقة مطالبًا مني مغادرة المكان: "راجع اللي أعطاك إفراج، ابنك ما إله عنا إفراج".
بعد رفض الإفراج عنه خاض مصعب إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، لكنَّ تدهور وضعه الصحي وحدوث مضاعفات، وتشنُّج، وضعف بجسده، استدعى الأمر تدخُّل والده الذي تمكن من زيارته لأول مرةٍ، يُعلّق: "أقنعته بفكّ الإضراب للمحافظة على صحته، وعلى أمل أن نجد حلًّا، خاصةً مع وجود استئناف بالمحكمة العُليا، لكني لا أُعلّق آمالًا على الاستئناف، لكون "الوقائي" لم يعترف بقرار أعلى جهة قضائية، وواضح أنّ الجهاز أصبح فوق الجميع".
السبت زار اشتية ابنه مصعب، ينقل عن ابنه "يُطالبُ مصعب بحلّ قضيته والإفراج عنه لأنّ لديه إفراجًا بقرار قضائي، نفسيته تحسَّنت أكثر، فمنذ أسبوع أحضروا عنده شابًّا في نفس الغرفة، بعدما أمضى 19 يومًا بغرفة عزل انفرادي".
يتابع اشتية الأب، قضية ابنه مصعب بقلق، ويترقب قضية ابنه أنس حيث يحاول الاحتلال إصدار حكم بسجنه لمدة خمسة عشر عامًا في إثر اتهامه بإطلاق نار على ضابط أمن في مستوطنة إسرائيلية قرب نابلس، ويتابع مع محامي الدفاع في تأجيل جلسات المحاكمة على أمل تخفيف الحكم، وتشتدُّ معاناته مع عدم تمكنه من زيارة أبنائه، مما أجبره على التنقل بين السجون المترامية الأطراف ولكن بهاتفه المحمول.

