رنّ هاتف "خالد"، الشقيق الأكبر ليونس تايه (21 عامًا)، تزامنًا مع اقتحام قوات الاحتلال لمخيم الفارعة جنوب طوباس، لم يتأخر بقبول مكالمة وردته من أمه، على طرف سماعة الهاتف الأخرى، كان ينصت لها وهي تبكي بحرقةٍ؛ بصوتٍ متقطعٍ مرتعد وأنفاسٍ لاهثة: "طخوا أخوك يونس قدامي؛ مش عارفة أسعفه!"، خبرٌ مفزعٌ اخترق قلبه كما اخترق طبلة أذنه أثناء حديثه مع والدته الذي انتهى سريعًا وخرج من البيت يحاول الوصول لشقيقه الأصغر.
لنصف ساعة حاول أفراد العائلة، الوصول إلى يونس وهو ممددٌ على الأرض في منطقة ترابية مكشوفة، لكنّ جنود الاحتلال كانوا يطلقون النار على كل من يحاول الاقتراب منه، ليكملوا جريمتهم بعدما أطلقوا رصاصهم عليه وأصابوه في ظهره، ومنعوا إسعافه.
مرت ثلاثون دقيقة، كان قلب أمه ينزفُ دمًا وهي ترى من على بعد خمسين مترًا أنفاس ابنها الأخيرة تسكن أمام عينيها الدامعتين بحرقةٍ وقهرٍ، وعجزٍ أمام آلة قتلٍ إسرائيلية، تدرك أنها لو تحركت فلا شيء يمنع هؤلاء الجنود الذين أعطوا ضوءً أخضرًا من حكومتهم، على وضعها بجانبه.
سبق إعدام يونس، اقتحام قوات الاحتلال للمخيم، واعتقال عمه "عدي"، حاول الشاب الصغير كغيره من الشبان، معاينة الحدث عن كثبٍ، لكن الجنود منعوه من التقدم وطلبوا منه التراجع.
توأمان تحت النار
صوتُ حسين الأخ التوأم للشهيد يونس، يتحشرج بالدموع، وفي صدره مرارة حرقة الفراق وهو يروي الحدث لصحيفة "فلسطين" عبر الهاتف وهو يتحدث عن "قطعة روحه" هكذا كان يونس بالنسبة له: "كنت نائمًا، وجاء وأيقظني وهو يهز كتفي بيده: حسين، قوم، الجيش حولين المنطقة".
"خرجتْ معه، وكانت معنا أمي، وشعرت أنّ قنّاصًا ينتظر مرور أيّ أحد من مدخل الطريق فطلبت منه عدم عبور الشارع، خشية من استهدافه، لكنه عبر ولم يلتفت لمناداتي عليه بالعودة، وبمجرد عبور الشارع أطلق عليه الجندي النار على الفور (...) اختبأت خلف عمود من نيران الجنود، وبعدها قمت بإعادة أمي إلى البيت ورجعت للمكان أحاول الوصول إليه".
صمت برهةً يلملم حبال تماسكه التي مزقها الحزن، ثم أكمل: "بعدما تأكّد الجنود أنّ دماء أخي تصفت، طلبوا من العمال بالمكان نقله للإسعاف".
جنودٌ يذهبون إلى مركباتهم العسكرية التي بدأت بالابتعاد عن المنطقة، وعمال يحملون يونس وينقلوه لسيارة الإسعاف، مشهدٌ مصور عرض على مواقع التواصل الاجتماعي، يفرق بين عنجهية جنود الاحتلال الذين لا يتوقفون عن القتل، وبين مراسم تشييع وإسعاف لا تتوقف.
بقعة دماء
أحاط فتية وشباب المخيم، بقعة دماءٍ بحجارةٍ رصت على هيئة جسد، لم تكن هذه لوحة فنان تشكيلي رسمها أو شكلها على الأرض، بل جريمة إسرائيلية جديدة ذيل جنود الاحتلال توقعيهم عليها.
ساعات قليلة فرقت بين لحظةٍ خرج فيها يونس لبيت عمه، وبين مشهد تشييعه وهو يعود إلى منزله محمولًا على الأكتاف، يُكفّن بعلم فلسطين ويُردّد المشيعون هتافهم المعتاد مع كل شهيد جديد يزفونه إلى الجنان "يا أم الشهيد نيالك.. ياريت أمي بدالك"، وكأنها رسالة من الاحتلال أنّ "الحياة في الضفة يحكمها الرصاص، ويتحكم بها مزاج جندي قرر إزهاق روح فلسطيني مرَّ من أمامه، وبينما تحدث تلك الجرائم يصمت العالم ويغلق عينيه عنها" يقول شقيقه.
يونس وحسين، توأمان، وروح واحدة في جسدين، ترعرعا وكبرا وكبر حبها وزاد تعلقهما ببعضهما البعض، "نحن كالأصدقاء، نسهر، نأكل، نخرج معًا، كل ما لي ملكه وتحت أمره، أستطيع القول أنهم انتزعوا قطعة من روحي، منذ عدة ساعات ومشهد استشهاد أخي يتردد، لا يفارقني، لم أتخيل يومًا أن يستشهد أمامي ولا أستطيع فعل شيء له" قالها بصوت مكسورٍ سلب الحزن صلابته.
الجرح الأول
يطل يونس على ذاكرة توأمه حسين "قبل فترة قصيرة تَمازحنا وقلت له: قربت موتك (شهادة)، فقال لي: نفسي أستشهد والله ودعا الله أن يكرمه بالشهادة، كان يحب الوطن، ولا يحب رؤية جنود الاحتلال وهم يقتلون الأطفال والنساء ويعتدون على أبناء شعبنا، لكنه أعدم بنفس الطريقة".
يعمل حسين بورشة تصليح السيارات، يعلق شقيقهما الأكبر خالد على هذه العلاقة التي لم يتخيل يومًا أن تفترق برصاصة إسرائيلية وهو يتحدث لصحيفة "فلسطين": "يمكنك القول هما صديقان، ينامان مع بعضهما البعض، لا يفترقان على مدار أربع وعشرين ساعةً، حتى في لحظةِ الموت اندفع حسين لإسعاف يونس ولم يغادر المنطقة إلا عندما استطاع سحبه".
سيطلُّ الصباح حزينًا على حسين، ستتفتح عيناه ويجد مكان نوم يونس فارغًا، لا يصدق أنّ توأمه أصبح طيفًا يمر على ذكرياته، واختفى من الحياة إلا في صورةً معلقة على جدار الغرفة، لحظة تأمل سيقف أمامها كثيرًا، سيضحك ويبكي في آن واحد، حينما يلتقي الفرح والحزن بين تلك الذكريات.
لدى يونس شقيقان، وخمس شقيقات، توفي والده قبل ثلاث سنوات بمرض بالقلب، وتولى عمهم محمد رعايتهم كوصي بعد والدهم، يقول لصحيفة "فلسطين": "استيقظنا على أصوات مداهمة من قبل قوات الاحتلال لبيوتنا، ومحاولة اعتقال أخي عدي، وكان يونس من بين الشبان الذي حاولوا الذهاب لمعرفة ما جرى، فأطلقوا النار عليه، ولم نعلم باستشهاده، إلا عندما انسحب الجنود".
يعتبر ما حدث إعدامًا بدمٍ بارد، مضيفًا: "كان صدمة لنا، فأنظر كيف وصل حالنا، لأن يتم قتل شاب لمجرد أنه أراد رؤية ما يجري!"، مشيرًا إلى أنه تولى رعايتهم بعد وفاة والدهم، وكان يونس معيلًا لأمه وشقيقاته، وكان على عتبات بناء مستقبل ومسكن له للزواج وبناء أسرة.

