دلالات تزامن عملية القدس مع ذكرى ثورة البراق

يحيي الفلسطينيون هذه الأيام مرور الذكرى السنوية الثالثة والتسعين لاندلاع ثورة البراق، التي بدأت في القدس المحتلة، ثم امتدت إلى مدن وقرى فلسطين بسبب التصرفات الاستفزازية لليهود عند حائط البراق، واستمرت الاشتباكات عدة أيام، أسفرت عن استشهاد 116 فلسطينيا، ومقتل 133 يهوديا، وأصدرت محكمة بريطانية حكما بإعدام ثلاثة من كبار الثوار الذين ما زلنا نتغنى بأسمائهم حتى اليوم، وهم: عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي.

بالتزامن مع إحياء ذكرى ثورة البراق، وقعت عملية القدس الفدائية التي نفذها أمير الصيداوي، ولعله تزامن تاريخي لافت، أعاد من جديد تأكيد قدرته في اختراق الحواجز الأمنية، والتسلل لمنطقة حائط البراق الذي يسميه الإسرائيليون زورا وبهتانا "حائط المبكى"، في حين شكلت العملية باختراقها لهذه الإجراءات الأمنية المشددة، إنذارا للاحتلال بأنها تستطيع الوصول لهدفها، مهما كانت التحصينات.

مثّلت عملية القدس تحدّيا أمنيا للاحتلال على مستوى التوقيت، فقد تم تنفيذها عقب انتهاء العدوان على غزة، بما شمله من اغتيالات، واستباحة شبه كاملة للضفة الغربية، بما تتضمنه من ملاحقات وتصفيات أيضا، آخرها في نابلس، وشعور الاحتلال بحالة من الزهو والمفاخرة بأنه يمسك بزمام المبادرة في ملاحقة المقاومة.

بعد أيام قليلة على تنفيذ عملية القدس، ما زال الاحتلال في حالة صدمة من شجاعة وجرأة المقاوم، الذي انطلق حاملا سلاحه مخترقاً كل إجراءات الأمن ليصل هدفه الذي حدده بدقة، ويبدأ بإطلاق النار صلية وراء أخرى، ليصيب قرابة عشرة من المستوطنين في عشر رصاصات خلال عشر ثوانٍ، وفق الاعترافات الإسرائيلية ذاتها.

مع العلم أن تمكن الصيداوي من تنفيذ عمليته بإطلاق النار، وليس بحزام ناسف، كما جرت العادة، وإيقاع هذا العدد الكبير من المصابين، كان له وقع كبير على الإسرائيليين، لأنه أظهر براعة وقدرة على القتال لديه؛ ما جعل العملية تحمل رسالة مؤداها أن المقاومة لن تكون صيدا سهلا للاحتلال، الذي أقرّ بما يشبه الصدمة؛ أن "أمير" اختار هدف عمليته كي يثبت للملأ أن بوسع رجال المقاومة التسلل إلى لبّ لباب معاقل المستوطنين، وفي قلب حائط البراق، الذي يعتبرونه رمزا دينيا لديهم.

خلاصة عملية القدس، وتزامنها مع ذكرى ثورة البراق، يمكن تشبيهها بما ذكره ذات يوم الكاتب والسياسي الإسرائيلي الراحل "أوري أفنيري"، حين وصف المواجهة القائمة بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية بأنها "أشبه بملاكمين على الحلبة، الأول بطل من الوزن الثقيل، وخصمه صاحب وزن الريشة، الجميع يتوقع ضربة قاضية مع بداية الجولة الأولى، لكنها تنتهي بدونها، والجولة الثانية تنتهي بدونها أيضا، حتى إن الملاكم الضعيف لا يزال واقفا على قدميه في الجولة الثالثة والرابعة؛ ما يحمل إشارات لا تخطئها العين بأنه المنتصر".