تحولات وشفا حرب

أحدثت الحرب الروسية الأوكرانية تحولات دولية ذات مغزى. من هذه التحولات ما وصفه هنري كيسنجر بأن أميركا على شفا حرب مع روسيا والصين. وإن بعض هذا الخطر صنعته جزئيًّا الإدارة الأميركية نفسها. أميركا تساعد أوكرانيا لتمنع سقوطها بيد روسيا، وروسيا لا تتسامح مع أميركا نتيجة هذه المساعدات التي تعد في روسيا أعمالًا عدائية، يجدر الرد عليها بحزم. روسيا تسيطر على جزيرة القرم، ولن تترك إقليم دونباس شرق أوكرانيا دون بسط سيطرتها عليه من خلال سيطرة الموالين لها، ومساحة الإقليم بقدر مساحة بلجيكا.

التوتر عالي المستوى بين روسيا وأميركا، وبين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، والحرب الاقتصادية تزداد اشتعالا، وكل الأطراف تبحث عن حلفاء، وعن آليات الخروج بنصر من الحرب الاقتصادية، وجل الخبراء يجمعون أنه لا منتصر في هذه الحرب طويلة الأمد. ولكن الخاسر فيها هو المجتمع الدولي، والعلاقات الدولية، والدول الفقيرة.

ومنها تحولات مزدوجة مركزها الصين، حيث تقف فيجين إلى جانب روسيا في مواجهتها لأميركا والغرب، ولا سيما في الحرب الاقتصادية المتشعبة والطويلة، وتحاول فيجين أن تكون هي المستفيد الأول من هذه الحرب، وأن تعطي رسائل للخارج بأن الصين دولة قوية، ولا يجدر بأحد تجاهل مصالحها الدولية. 

 التقارب الروسي الصيني ليس وليد الحرب في أوكرانيا، ولكن الحرب زادت هذا التقارب، لأن الصين ترفض أيضا الهيمنة الأميركية، وترفض انتصار أميركا في الحرب الاقتصادية ضد روسيا، زد على ذلك ارتفاع نسبة التوتر بين الصين وأميركا بسبب زيارة بيلوسي إلى تايوان، دون موافقة فيجين، الأمر الذي رفع التوتر بين تايوان والصين، وأظهرت المناورات شكلا من أشكال هذا التوتر، الذي قد ينذر بحرب.

 ومن هذه التحولات زيادة التعاون بين طهران وموسكو، في مجالات عديدة، منها السلاح، والفضاء، وتسهيل تجارة روسيا مع الهند من خلال الأراضي الإيرانية، وهذا التحول مقلق لدولة الاحتلال الصهيوني، وقد أعرب قادة الدولة العبرية عن رفضهم لهذا التقارب، وعدوه نذير شؤم، ويمكن القول إن وقف روسيا أنشطة الوكالة اليهودية في موسكو قد زاد من هذا القلق، وقد أعربت (تل أبيب) لموسكو عن قلقها أيضا من عمليات تهريب السلاح للبنان والفلسطينيين من روسيا.

هذه التحولات الكبيرة ذات مغزى في صناعة المستقبل، والمذكور من هذه التحولات بعضها وليس كلها، ومن ثمة يمكن القول إن الأيام والسنوات القادمة حبلي بأمور منظورة وغير منظورة، وهنا يجدر بقادة الدول العربية، وبقادة الفلسطينيين، مراقبة هذه التحولات لتوظيفها لخدمة مصالحهم، وقضية فلسطين، وإن الغفلة عنها قد تضرهم. يقولون: لكي تكون مستفيدا يجب أن تكون رقما غير مهمل.