تقرير أشلاء "آلاء" فطرت قلب "إسماعيل" الحالم ببيت يجمعهما

...
رفح/ مريم الشوبكي:

تناولت آلاء العشاء الأخير مع زوجها إسماعيل الملاحي وطفلهما أحمد الذي لم يتوقف عن البكاء، مساء السادس من أغسطس/آب الجاري، ورغبة منها في التخلص من "نكده" توسلت إلى إسماعيل أن يذهب به إلى البقالة لكي يشتري له بعض السكاكر والحلوى.

ما إن وصل إسماعيل وأحمد إلى باب البقالة، حتى اهتز المكان من تحته، وقف مذهولًا من الصوت الذي سمعته كل محافظة رفح، لم يدر في خلده أنّ بيته دُكَّ بأربعة صواريخ إسرائيلية، وشريكة دربه قد انهال عليها الركام وأصبحت في عِداد الشهداء.

بدأت الأخبار تتوارد بأنّ المستهدف عمارة سكنية في حي الشعوت، تحرك خال "آلاء" أبو حسام الطهراوي من بيته الذي يبعد بضع أمتار عن المكان بسيارته، واضطر إلى التوقف على أطراف الحي الذي لا تتسع أزقّته لمرور أي مركبة، سار مهرولًا إلى حيث كانت تستأجر ابنة أخته مع زوجها شقتهما السكنية.

أبو حسام كان الشاهد على المجزرة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق آلاء (30 عامًا) والحافظة لكتاب الله، وجيرانها، في إطار استهدافه لقائد المنطقة الجنوبية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي خالد منصور.

ما إن وصل "أبو حسام" حتى صُدم بأنّ البناية المكونة من طابقين سُويّت بالأرض، شاهد حركة للمسعفين ورجال الدفاع المدني ينقلون المصابين من البيوت الملاصقة لها، وانشغل عدد منهم مستخدمين أيديهم لنبش الركام بحثًا عن ناجين، فضيق المكان لا يسمح بدخول أي معدات للحفر.

حينها ارتأى رجال الدفاع المدني بهدم البيوت الملاصقة للبناية من أجل تمكين الجرافات لإزالة الركام والبحث عن المفقودين، لم يتردد أصحاب البيوت لثانية في إعطاء الدفاع المدني الضوء الأخضر للهدم، وما إن بدءوا حتى ظهرت أشلاء الضحايا.

يروي أبو حسام المشاهد الصادمة التي شاهدها وهو يساعد رجال الإنقاذ في البحث عن أحياء يحذوه الأمل بأن تكون "آلاء" من بينهم: "كانت الساعة تشير إلى الثلاثة فجر يوم الأحد، وأعمال البحث لم تتوقف، تفاجأت بجثتين لشاب ووالدته يحتضنان بعضهما بعضًا وبصعوبة تمكنا من تفريقهما وانتشال جثمانهما".

يتابع لـ"فلسطين": "تمكنا من انتشال ستة شهداء في تلك اللحظة، ولم تظهر آلاء بعد فهي كانت تسكن في الطابق الأرضي، أنهكني التعب لذا كنت أتردد على بيت أختي القريب من المكان لكي أهدأ من روعها ثم أعود للبحث عن ابنتها مرة أخرى".

دقت عقارب الرابعة فجرًا، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من إيجاد أي علامة تشير إلى وجود آلاء في المكان، وهَمَّ صاحب الجرافة بمغادرة المكان، حتى استأذنه أحدهم بالبحث كمحاولة أخيرة لإيجادها، صرخ حينها خالها "هادي رِجل آلاء"، ومع استمرار البحث ظهرت الجثة مقطعة إلى أشلاء لم تظهر معالم وجهها على الإطلاق.

حمل "أبو حسام" بمساعدة عدد من المنقذين "آلاء" أشلاء، حيث قام ضابط دفاع مدني بتجميعها في كيس نقل إلى المستشفى وهنا كان للأطباء رأي مشدد.

يتحدث أبو حسام: "سلمني الأطباء شهادة الوفاة وتصريح الدفن، وأكدوا عليّ بمنع أي شخص من عائلتها أن يشاهد جثمان آلاء، وفي هذه الأثناء جاءني أحدهم يحمل كيسًا يخبرني بأنه قد جمع ما تبقى من أشلائها التي بقيت تحت أنقاض البناية".

هاتف "أبو حسام" لم يكف عن الرنين، عشرات الاتصالات من والدتها، وأختها، وإخوتها، يسألونه عن موعد وصول جثمانها الطاهر لبيتهم لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، ليخبرهم بكلمات كانت صعبة جدا عليه قبل أن تكون عليهم، بأنه لن يتمكن من إحضار الجثمان للبيت، ومع كل الاتصالات رفض الفكرة نهائيًا لأنه الشاهد على الحدث ويعرف التفاصيل أكثر من غيره.

وهذا المشهد يعيد أبو حسام إلى سنوات خلت تحديدًا في عام 2004، حينما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي أخ "آلاء أحمد" بصاروخ مباشر، حيث لملمنا أشلاءه ووضعناه في كفنه وبقي جزءا من الجبهة والوجه لتودعه أمه وأهله وكل أحبابه.

نزل خبر استشهاد آلاء كالصاعقة على إسماعيل وفطر قلبه، ولا يزال في حالة صدمة، ويلوم نفسه بين الفينة والأخرى بأنه غادر البيت دونها"، وفي أثناء تشييعها إلى مثواها الأخير كان يبكي ويصرخ "كيف رحلتِ وتركتِني؟، لقد اتفقنا أن نبي بيتنا معًا".