حصاد المقاومة الفلسطينية في هذا العدوان

رغم الألم الكبير الذي سبّبه العدوان من قتل ودمار فإن المقاومة أيضا أصابت أهدافا لا تقلّ أهمية عما حققه الأعداء من أهداف: 

أولا: مجمل الصورة لهذا العدوان الذي جعل جيش هذا الكيان الذي يدّعي دوما بأنه قادر على الانتصار على الجيوش العربية مجتمعة، صدّر صورة للعالم بأنه غير قادر على هزيمة فصيل واحد فلسطيني مقاوم، هذه الصورة بعد أن يهدأ هدير طائراته وتصمت زمجرة دباباته سيعلو صوت المقاومة في  رأس هذا المحتلّ: أنت غير قادر وعاجز على هزيمة فصيل واحد من فصائل المقاومة الفلسطينية، كفاك تبجّحا وعد إلى رشدك واعرف قدر نفسك، لست اللاعب الوحيد ولست القادر على إيلام خصومك دون أن تتألّم، ولست القادر على الوصول إلى أهدافك كيفما تريد، لست اليد الطولى في المنطقة بل ستدفع ثمن عدوانك ولن يكون الاحتلال رخيص الثمن، بل سيكون مكلفا ومدمّرا وستشلّ مدنك وأسواقك وستتوقّف الحياة في شرايين كيانك، لا لم يعد الاحتلال نزهة ولا رحلة ترفيهية كما كان يدّعي شارون في ثمانينيات القرن الماضي ويصف العدوان على لبنان بأنه نزهة صيفية فخرج له حزب الله ليحوّل الاحتلال إلى كابوس وليرفع الكلفة البشرية والماديّة ليفرّ نهاية المطاف الجيش الإسرائيلي من لبنان في غسق الليل، وتتكرّر التجربة في غزّة وليعود العدوان على غزّة بالدمار والوبال على مساحات شاسعة من مستوطناته في فلسطين المحتلّة. 

ثانيا: حققت المقاومة قدرة جماعية عالية على إدارة المعركة بالصورة التي تريدها وفق أهدافها المرحلية والاستراتيجية دون أن تنجرّ إلى حرب مفتوحة فتقلّل من حجم الخسائر، وتمنع المعتدي من الوصول إلى أهدافه وتحصرها على أقل قدر ممكن، وتبقي قدرات المقاومة في حالة من الرهبة والغموض وإخفاء ما وصلت إليه من تطويرات وتجهيزات إلى أن تحين الفرصة المناسبة للحرب المفتوحة وفق تقديراتها وتوقيتها المناسب، وإلى أن تحين هذه الفرصة تبقي على توازن الردع وتبقي الاحتلال في حالة من الحسابات العسيرة لأي عدوان قادم شامل تشترك فيه كل فصائل المقاومة. وقد ظهر هذا أيضا في حرصه الشديد على إنهاء عدوانه قبل أن تتدحرج الأمور فتصل إلى ما لا تُحمد عقباه. 

ثالثا: الهزيمة السياسية والأخلاقية للاحتلال، حيث ظهر بصورته البشعة: في بدئه للعدوان أولا، وفيما قتل من الأطفال والنساء والمدنيين ثانيا، وقد تشكل هذه ضربة قاصمة في محاولاته لاختراق المنطقة في التطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية وسياسية، وعلى الأقل إن نجح في اختراق دول التطبيع على مستوى الدولي، فلن ينجح على المستوى الشعبي أبدا ما دام يمارس مثل هذه الحماقات المتهوّرة. 

رابعا: لم يعد هناك أيّ مبرّر أو مسوّغ لدعاة السلام والسكينة والهدوء مع هذا الاحتلال بحجّة عدم توفير مبرّر للعدوان وأن المقاومة هي التي تعطي الاحتلال الفرصة للاعتداء على الشعب الفلسطيني، "لا يا روح إمّك" الاحتلال لا يحتاج إلى مبرّر لممارسة العدوان، لأن العدوان في صميم روحه ومزروع في أعماق أعماقه ولأنه لا يوجد احتلال محترم أبدا، ما المبرّر الذي جاء بهم على هذه البلاد؟ ما المبرّر الذي دفعهم إلى تدمير وتهجير قرابة ثلاثمائة وستين مدينة وقرية فلسطينية عام ثمانية وأربعين؟ هذا العدوان الذي تأبّط فيه شرّا بشكل لا لبس فيه لا يدع لهؤلاء الذين يطلعون علينا كلّ مرّة ليكيلوا اللوم على المقاومة ويدّعون القلب الحنون والحسّ المرهف والحرص على الأرواح والدماء بحجة سدّ الذرائع وأن لا نقدّم للاحتلال ما يدفعه للعدوان، ها هو مكشوف مفضوح للعيان يعتدي دون وجود أيّ مبرّر بل ينتهز فرصة الاستجابة لتدخلات الوسطاء والتعاطي معها بإيجابية كبيرة.

خامسا: ظهر صنّاع القرار في هذا الكيان وكأنهم أولاد يمارسون السياسة، تداخلت الحسابات الانتخابية والحزبية ودفعتهم لعرض عضلاتهم بطريقة تقزّم من صورتهم من خلال محاولة بائسة لافتعال حرب على مقاسهم الصغير، بهّتوا صورة الجيش والدولة والقيادة ذات المستوى العالي من التفكير وصناعة الأهداف الكبيرة إلى أهداف مع كل محاولاتهم تضخيمها، إلا أنها ظهرت بصورتها الحقيقية، فأظهرت ضحالة تفكيرهم وكم هو هذا الكيان عاجز عن إنتاج قيادة جديدة تكاد تشبه القيادات المؤسسة لهذا الكيان. 

الحصاد كبير أكتفي بهذه الخمسة.