هل علَّق د. ناصر القدوة ومن معه الجرس؟

لا أشكك في مصداقية 70 شخصية وطنية التفَّت حول د. ناصر القدوة، وأطلقت معه مبادرة وطنية، هدفها الخروج بالحالة الفلسطينية من صحراء التيه التي أوصلتنا إليها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، واللجنة المركزية لحركة فتح.

وحين نقول مبادرة فذلك يعني أن مِن خلفها مبادرين، وهؤلاء المبادرون لا يكذبون أهلهم، ولا يخدعون أنفسهم، فهم ليسوا قيادة، ولا حكومة، ولا تنظيما، ولا حزبا، هم بعض الشعب الفلسطيني الذي يعيش القلق على مستقبل الأجيال، ويحاول بشتى السبل إنقاذ الواقع الفلسطيني من المصائب التي راكمتها القيادة، ولا مناص للخروج من هذا الواقع إلا بالتكاتف، والعمل المشترك على كل الجبهات، وانتزاع الحق سلماً أو حرباً.

د. ناصر القدوة واجهة المبادرة، وهو عضو لجنة مركزية سابق في حركة فتح، وهذه ميزة تؤكد أن المطالبة بالتغيير والإصلاح ليست حكرا ًعلى تنظيمات المعارضة، والشخصيات الوطنية، وإنما التغيير والخلاص من هذه القيادة أمسيا حلماً، فإذا كان ناصر القدوة واجهة المبادرة، فإن عميقها ينطق بلسان مخزون الغضب المتراكم في صدر الملايين من الشعب الفلسطيني المقهور، والرافض أن يكون ذيلاً للذئب الإسرائيلي المفترس، وللذيل مهمة كش الذباب، وجس التحركات في المحيط، لتحذير الذئب من مكامن الخطر.

المبادرة الوطنية جاءت تحت عنوان "الإنقاذ الوطني"، وهذه حقيقة، فالشعب الفلسطيني بحاجة ماسة إلى إنقاذ من هذا المستنقع الذي أوقعتنا فيه قيادة منظمة التحرير، والإنقاذ بحاجة إلى جهد كل الفلسطينيين، ولتنظيم هذا الجهد، لا بد من تشكيل "هيئة انتقالية" من مهمات هذه الهيئة، "إنجاز التغيير وإعادة البناء"  كما جاء في المبادرة.

إذًا نحن أمام مبادرة تقوم على التغيير، ولا تعتمد الإصلاح والمصالحة والمحاصصة، ولا ترى بالتسويات الشكلية، والحلول المؤقتة مخرجاً من حالة الضياع، لذلك، فالمبادرة بعيدة عن التنظيمات السياسية الفلسطينية المعروفة، ولا علاقة لها بالانقسام الجغرافي والسياسي القائم، وإن كانت تعالج نتائجه، والمبادرة جاءت بعد مرور عام على إلغاء محمود عباس انتخابات المجلس التشريعي، وبقاء الوضع على ما هو عليه دون حراك أو تحريك، والهدف من المبادرة كما قال مطلقها، ومن معه، من شخصيات وطنية، وكفاءات سياسية: الهدف من المبادرة هو "الدفع نحو حالة وطنية تنجز تغييرًا واسعًا وعميقًا في النظام الفلسطيني السياسي، وتعيد بناء مؤسساته"، وهذه أمنية يلتقي على حوافها كل الشعب.

وبالرغم من جمالية المبادرة، ومصداقية مطلقيها، فإنها تصطدم بالواقع، حين يدعو مطلقوها إلى تشكيل هيئة مؤقتة، تكون مسؤولة عن إجراء الحوار الوطني وتنفيذ نتائجه وفق فترة زمنية محددة، داعيًا إلى ممارسة ضغط سياسي وجماهيري وقانوني لحشد التأييد لإحداث التغيير.

فكيف يمكن الوصول إلى هذا الهدف السامي؟ وإذا اتفقنا على تشكيل الهيئة المؤقتة فماذا ستفعل هذه الهيئة إذا رفض محمود عباس الاعتراف بها، والاستماع لها؟ ومع من ستُجري حواراً وطنياً إذا رفض رئيس السلطة محمود عباس، وأعضاء اللجنة التنفيذية إجراء أي حوار؟ وهم بالتأكيد سيرفضون، وإذا أُجري الحوار دون حركة فتح، ولجنتها المركزية، وهي التي تمسك بمفاصل الحياة السياسية في الضفة الغربية، فمن سينفذ النتائج التي ستتوصل إليها لجنة الحوار؟ وعن أي فترة زمنية تتحدث المبادرة؟ هل المقصود شهر أو سنة أو عدة سنوات، والكل يعرف حجم التشابكات العربية والإقليمية والدولية بالقضية الفلسطينية؟

أما عن الضغط السياسي والجماهيري والقانوني، الذي تطالب المبادرة بممارسته لإحداث التغيير، فهذه مهمة عسيرة، إلا إذا كان المقصود تحريك الشارع بمسيرات ومظاهرات واعتصامات تشل عصب الحياة الأمنية الهانئة، التي يرتاح لها الاحتلال الإسرائيلي، وترتاح معه السلطة الفلسطينية من شر المواجهات.

ورغم الصعاب، يشكر ناصر القدوة ومن معه على هذه المبادرة، مع العلم أنهم لم يكونوا أوائل المبادرين للخروج من الحالة الفلسطينية الراكدة، ولن يكونوا آخر المبادرين، ولكنهم وضعوا الخطوط العريضة، وعلقوا الجرس، وعلى التنظيمات الفلسطينية كافة، وعلى جماهير شعبنا، وعلى كل الفعاليات والكفاءات الوطنية، أن تلتقط المبادرة، وأن تبني عليها، وأن ترى بها طريقاً يمكن السير عليه، للوصول للأهداف التي حددتها المبادرة، وهي نقطة إجماع، وبغض النظر عن شخصية د. ناصر القدوة، وبغض النظر عن تحالفاته، وبغض النظر عن المرامي والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، فالمبادرة تدعو إلى التغيير، والحالة الفلسطينية البائسة والتعيسة بحاجة إلى التغيير، والشعب الفلسطيني بشوق إلى التغيير، ويدعم أي جهد يهدف إلى قلب الطاولة على رأس قيادة منظمة التحرير الهزيلة، ليفرض واقعاً فلسطينياً جديداً، يعتمد على الشراكة، ويؤمن بالديمقراطية، ويرفض الخضوع لإملاءات المحتلين.