​ابنة "المدينة العتيقة" تقدم قراءةً تاريخية للأحداث

القدس في عين "بيان الحوت" ضاحكةٌ يومًا ودامعةٌ أيامًا

...
بيان الحوت (أرشيف)
بيروت / غزة - نجلاء السكافي

قد يبدو الحديث مع سيدة تُقبِل على عِقدها التاسع رتيبًا أو مُرهقًا بعض الشيء، ولكن المفاجأة التي نقلها زهو صوت د. بيان الحوت المؤرخة الفلسطينية الشهيرة لمُعدة التقرير بعد حديثٍ هاتفي هو الأقرب للقلب، أن "أحبالها المقدسية" كانت أكثر رشاقة وحيويةً، كيف لا؟ وهي التي تنعكس مدينة القدس في بؤبؤي عينيها ضاحكةً يومًا ودامعةً أيام، وهي التي يزدحم قلبها قبل قلمها بالحُب الوطنيّ الفطري المجبول بترابِ فلسطين، وقد كرّست حياتها للتسطير عن القضيةِ الفلسطينية، ولم تغفل الأحلام عن مراودة عينيها في زيارةٍ للقدس يومًا.

عنا رصاص كثير

وما بين حشرجة ودمعة وضحكة علا فيها صوتها تدفقت كلمات د. بيان من غزة إلى بيروت؛ لنقل وقائع فلسطينية شهدتها وشهدت عليها ابنة مدينة القدس؛ وهي التي لم يتراجع وجدانها عن النبض باسم بلادها أبداً، وربما كان أول حدث يُجابه حياتها السياسية هو إعلان قرار تقسيم فلسطين الذي صدر في التاسع والعشرين من نوفمبر 1948م، مُخلِّفًا ثورة شهدت الحوت على ملامحها.

"أُقفلت المدارس وكنا في الفصل الدراسي الأول وجلسنا في بيوتنا، حيث كانت أول مشاهد عايشتها في حياتي أن أرى أخي وقد كان شابًا وابن الجيران وهما يذهبان مُلثمين ويحملان القنابل الصغيرة، فاعتقدت أن هذه قمة المقاومة، ثم كبرنا وعلِمنا أنها أقل ثمنًا من المسدس".

سألتها بعفوية: "ما الشعور الذي كان يفرض نفسه حينها؟ فقالت: "كنا في حالة دفاع عن الذات وشعور بالنصر؛ ثم توالت الأحداث، فذات يوم كنت عائدة مع أمي إلى البيت ونحن نسكن في بقعا "القدس الغربية"، وإذ بالرصاص يملأ المكان فسألتْ أمي "شو في يا شباب؟" قالوا: "انتصرنا في القسطل" وكان هذا أول يوم مهم جدًا في حياتي السياسة التاريخية، حتى أن أمي قالت: "وفروا الرصاص" ردوا عليها: "عنا رصاص كثير" ولا أنسى حالة الفرح الكبير حينها.

لكن لأن الاحتلال اعتاد أن يسرق الفرح من أوردتنا، فقد تزامن ذلك مع ارتقاء عبد القادر الحسيني شهيدًا في المعركة، هذه الشهادة التي علّمت في حياة بيان الحوت؛ عندما استمعت للخبر بالراديو عبر الإذاعة العبرية الناطقة بالعربية وهي تنقل الخبر بكل تَشفٍّ، تقول والدمع خالط رقة صوتها: "أنا صعقت فهذه أول مرة أسمع عنه أنه قُتل وتساءلت بيني وبين نفسي التي أدركت هول الخبر، كيف يعني قُتِل؟"

كان والدها المناضل الفلسطيني عجاج نويهض يستقبل المهنئين بالنصر في صالون البيت الذي عَج بصخب الأهل والأقارب والجيران، أقبلت بيان نحوه ووقفت بالباب فشعر أن لديها خبرًا وسرعان ما ناداها "ذهبت ونقلت له الخبر بصوتٍ خفيض فوجمَ الجميع"، وفي اليوم التالي كانت أهم جنازة في القدس بتاريخ الثامن من نيسان لعام 1948، حيث عايشت ضيفتنا معنى النصر الذي امتزج بالشهادة معًا ولوحدها.

راحت فلسطين

لم يتوقف الاحتلال حتى هنا، ففي التاسع من الشهر من العام نفسه حدثت مجزرة دير ياسين التي سطرت كاتبتنا عنها كل الوقائع والأرقام _بعدما كبرت_ في كتاب "صبرا وشاتيلا" الذي حقق تميزًا منفردًا، تقول: "خبوا الأهل عنّا الجرائد، وقالوا إنها ما طلعت ولكن فيما بعد عرفت أن ذلك الكلام غير صحيح".

وبنبرة المعتز قالت: "نحن بقينا في فلسطين ولم نغادر لقد رفض أبي اللجوء إلى لبنان رغم أنه هو ووالدتي أصلًا منها"، يخالط الصوت شيء من الحزن المُريب وهي تتابع: "في القدس كنت أشعر وأعلم بأنها تفرغ من أهاليها؛ وهذا الشعور كم أحزنني، كنت أمشي في الشارع فأجد الناس أصبحوا أقل عددًا وأتصل على صديقاتي بالهاتف فلا أرى مُجيبا، ولكني كنتُ أعرف كما كنا نصدق أننا عائدون".

بعد أسبوعين من مجزرة دير ياسين وإثر إلحاح الأهل في لبنان حضرت والدتها الثياب وغادروا في السادس والعشرين من نيسان على أمل أن يقضوا العطلة الصيفية ثم يعودوا لبيتهم في القدس الغربية؛ لكن ذلك لم يحدث فلم يعودوا ولم يعُد بيتهم ولا قدسهم.

تروي ذلك بتتابع: "في لبنان بقينا نتابع الأخبار وعلمنا تدريجيًا بمأساة سقوط البيت؛ والأهم منه كانت مكتبة والدي الضخمة، شعرت حينها بأنني كيف سأفقد كل هذا؟ لكن الوالدة كانت تقول لنا سنعود حتمًا قريبًا إلى أن جاءت ليلة من الليالي في تموز 1948م".

وكانت د.بيان قد سمعت عن اللد والرملة ولكنها لم تزل طفلةً صغيرة، تردف وهي تسرد حوارًا مع والدتها بدموع عينيها واختناق صوتها: "في الليل شعرت أن أمي لا تنام كانت تبكي طوال الوقت، قلت لها: "يا ماما ما بكِ؟" لم ترد عليّ، قلت لها متسائلة: "أنا أفهم خبريني ماذا حصل اليوم؟" قالت هذه الليلة مختلفة جدًا، سألتها ماذا يجري؟ قالت: راحت فلسطين".

زيارة أخيرة

وصلت بعد ذلك فلسطين لمرحلة اتفاقيات الهدنة الأولى ولم تعد بيان الحوت للقدس، حيث بقيت في مدارس داخلية، وبعد سنوات عادت إلى الأردن عندما استقر والدها فيها وأكملت الدراسة بعمان ثم جاءت إلى رام الله في منتصف الخمسينيات؛ لتدرس في كلية دار المعلمات فكان لها عناق طويل مع القدس.

تصفها وقد صفا صوتها وما فتئت تردد لفظة "القدس" بين جملة وأخرى كأنها تتذوق طعمها قائلةً: "القدس كانت مدينة هادئة جدًا وحزينة وصامدة وفيها كبرياء العقل والشموخ، كنت أزورها مرات لا تُحصى وأجلس في أيام الصحو مع صديقاتي في الباحة تحت أشجارها وعندما يحين موعد الصلاة يوم الجُمعة نذهب لنصلي، فلم أنسَ القُدس في حياتي وزرت العديد من المدارس فيها كالمأمونية ودار الطفل العربي والكثير".

هل شعرتِ حينها أن كل ذلك سيذهب دُفعةً واحدة؟ "على العكس لم يراودني مطلقًا في حياتي أن القدس قد تذهب، وكان أملنا وتفكيرنا كيف نسترد الأجزاء التي خسرناها منها، بيتنا وبيوت الآخرين، عنفوان هذه المدينة، القدس كل القدس".

تتابع: "بعد أن غادرنا الأردن عام 1959 إلى لبنان زرتها مرة أخيرة في عام 1961م، حيث كنت أعمل بالصحافة وحضرت إلى مهرجان الأنوار بعمان وزرتها مع أصدقائي ثم احتلت بالكامل ولم يُسمح لي بالزيارة حتى الآن، ولكن الزيارة ليست الأساس فالقدس في البال، القلب، الوجدان، الضمير ولا أقول هذا لأن القدس أهم عندي من أي بقعة في فلسطين، أو من أي قرية أو من أي حفنة تراب، على العكس كله على نفس الأهمية، فلسطين وطن واحد وهي لا تتجرأ وأنا لن أتنازل عن فلسطين".

بقيت عملية تهويد مدينة السلام مستمرة وبشكلٍ يومي _كما تؤكد_ حتى جاء عام 1967 وكانت النكبة وحصلت خسارة كبرى بالنسبة للشعب الفلسطيني، فكل شبر من الأرض كان يقول "تاريخ فلسطين" ابتلعته "إسرائيل"، وكان ذلك العام فيصلا مهما في حياة الحوت والقدس، فقررت أن تكرّس حياتها للكتابة عن فلسطين.

الانتفاضة انتصار

وتعتبر أن الانتصارات الأهم في تاريخ فلسطين تمثلت في الانتفاضة الأولى التي انطلقت من غزة في آخر كانون الثاني عام 1987م، هذه الانتفاضة التي شهدتها فلسطين هي انتفاضة عالمية، ودخلت إثرها كلمة انتفاضة الأحرف اللاتينية والمفاهيم الأوروبية والأجنبية، وأصبحت تُعرف بمعنى ثورة شعبية وجرى استعمالها دائمًا.

تُعلّق الحوت وقد امتشق صوتها: "كانت الانتفاضة في منتهى الروعة وجاءت من الداخل من قلب غزة في الزمن الذي كانت فيه فلسطين في آخر الأجندة عقب مؤتمر الجامعة العربية في عمان، واستمرت جذوتها وكانت قوية جدًا لأنها انتفاضة شعبية بالفعل".

هل تمثلت قوتها في كونها انتفاضة ضد العدو فقط؟ "بالمطلق، لم تكن انتفاضة ضد العدو وحسب، بل غيّرت في نوع الحياة بكل بيت وأصبحت "حياة انتفاضية"، فلمّا أقفلت المدارس لم يبتئس الفلسطينيون على العكس، قد تحولت بيوت المعلمات إلى مدارس، وإذا أقفلت الأفران تحوّلت بيوت النساء إلى أفران تخبزن وتوزعن"، هكذا تقول.

تُردف: "حتى العقلية تغيّرت، وأنا كنت أُتابع العقلية العربية الفلسطينية في نشر تفاصيل الثورة فمع الأسف كان هناك دائمًا مبالغات في الأرقام، أما الانتفاضة علمت الناس الصدق، كم جريح كم شهيد، كانت الأرقام صادقة وصريحة وأثبتتها الأيام، حقًا خُلِق تطور في الحياة التي انتصرت على نفسها وتطورت مع الأيام".

ثم كانت انتفاضة الأقصى، تتحدث الحوت وقد رخم صوتها: "شارون تحدى الجميع ودخل باحة الأقصى كان ذلك في ذكرى استشهاد جمال عبد الناصر وكان يقصد هذا التحدي؛ لكن لم يخطر في بال أحد أنه بتحديه ستقوم انتفاضة جديدة في فلسطين وسنسميها انتفاضة الأقصى، وهذا معناه أن فلسطين والقدس ولادة بشكل مستمر ولا يمكن أن ينالوا ما يريدون".

الصمود المقدسي

وتُجسد د. بيان الحوت المشكلة الأساسية وهي تبعدها عن حِياض القدس في قولها أنها تتمثل باعتقادنا معرفة العدو الإسرائيلي، "نحن جميعًا نعتقد أننا نعرف الذهنية الإسرائيلية والصهيونية وأقصد بـ "نحن"، القيادة الفلسطينية العليا والقيادة العربية والجامعة العربية والأحزاب السياسة قاطبة من المحيط إلى الخليج؛ لكننا في الواقع لا نعرفها جيّدًا حتى الآن؛ لأن نتنياهو يسعى إلى أبشع ما سعت إليه (اسرائيل) من قبل وهو تفرغة فلسطين من أهلها، وهذا بات معروفًا لكن لم نشعُر به بعدْ من كل أعماقِنا كما يجب، ولو شعرنا لكان للعرب موقف آخر".

وفي اللحظة التي يُحقق فيها المقدسيون انتصارهم على جبروت الاحتلال بوقف كل مخططاته إزاء تقييد دخول المقدسي أقصاه والصلاة فيه بحرية، ومنع وجود البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية والدخول في الثامن والعشرين من تموز الفائت من باب حِطة عنوةً ودحر جنود الاحتلال، بعد رباط مقدسي على أَسوارها دام 14 يومًا، تقول الحوت: "المقدسيون صمدوا حتى في أيام الهدوء، لم يأتِ صمودهم في صرخة المدينة فحسب".

هل يخفف الصمود الشعبي الأعزل من وطأة أهمية البندقية في هذه المرحلة؟ "هذا الصمود مهم وواضح بقدر ما هو صارخ ولكن لا يجب التركيز عليه حتى لا يعفي الآخرين من مسؤولياتهم، وهو يأتي بالدرجة الأولى مع ضرورة الإيمان بالنصر دائمًا والعمل عليه وعدم الشعور باليأس، وهذا الصمود الأعزل جاء مع وجود بعض العمليات الفدائية التي لم تُسقط أهمية البندقية فهي تبقى موجودة إذا احتجناها نستعملها ولا يجب إسقاطها نهائيًا".

وقد تشرّب الجيل المعاصر الذي يقاتل بالرصاص ويصمد بالرِباط؛ كل ويلات فلسطين عبر آبائه وأجداده رغم أنه لم يكن شاهدًا على أيّ منها، وتصفه الحوت بقولها: "هؤلاء الشباب حتمًا يعرفون مأساة الأجيال التي سبقت، إنهم ينتمون إلى وطن ضاع ويريدون استرداده وهُم يعلمون بما يكفي أنه حرّك مشاعرهم ووجدانهم للقيام بالبطولات التي يقومون بها وهم الذين يُعوّل عليه وهم الذين تنتظرهم فلسطين".