خطبة الجمعة بين الثورة والقيلولة؟

كيف نقوم بقياس أثر خطبة الجمعة وقوة تأثيرها وعوامل الضعف والقوَّة فيها، هل تصل إلى نتائجها المطلوبة في واقعنا الفلسطيني أم أنها تتراجع ويضعف تأثيرها يومًا بعد يوم؟ خاصة ونحن نتحدَّث عن خطاب في وقت مقدّس دينيًّا يأتيه الناس في حالة من المفترض أن تكون على جاهزية نفسية عالية، ومستعدة للسماع والتفاعل الوجداني العميق والتأثر المباشر السريع، إلا أن الواقع يقول غير ذلك لأسباب كثيرة منها تآكل الثقة بالخطاب الذي يشعر الناس من أعماقهم أنه صار موجّها ويخدم سياسات معيّنة بعيدة غالبا عن الهدف وبعيدة عما يحتاج إليه الناس من مواضيع لها علاقة بصلب حياتهم والمساهمة في حل مشاكلهم والتخفيف من وطأة الخلل والفساد في محيطهم. 

من المفترض أن تلعب خطبة الجمعة دورا مميزا في ثقافة المجتمع خاصة إذا أُتقن الإعداد لها من حيث اختيار الموضوع الجيّد، وأن يكون الخطاب علميا وعمليا ويعالج بعمق ودقة وسرعة وقوة عالية في التأثير، خاصة إذا لاقت أذنا واعية ومؤهلة ثقافيا وتربويا وتمتلك ثقافة دينية تؤهلها للتفاعل مع الخطيب، وهذا يدعونا إلى ضرورة العمل على إيجاد البنى التحتية الثقافية المناسبة، وهذا منوط بدور المسجد المتكامل لتهيئة الناس لخطبة الجمعة ودورها المميز في التوجيه والإرشاد، ووضع النقاط على حروف القلب الجاهزة للانطلاق والعمل.  عندئذ تصبح خطبة الجمعة مركزية في صياغة الرأي العام للناس وتوجيهه وترشيده وتطويره، وهذا يؤكد ضرورة تأهيل الإمام تأهيلا كافيا للقيام بهذا الدور المهم. 

هناك مشكلة كبيرة في تحديد موضوع الخطبة إذ إن الأوقاف تقوم بتحديدها وتعميمها على الخطباء منذ مدة طويلة، ومن الملاحظ أن هناك عناوين تتكرّر كثيرا دون أن يتجدّد الخطاب فيها، وهناك موضوعات تبتعد كثيرا عن احتياجات الناس، وعن المعالجات العملية لما تعصف به البلاد والعباد من قضايا ومشاكل وهموم. وهنا يكمن سؤال كبير بين ترك الأمر للإمام في تحديد الموضوع الذي يحتاج إليه من يخطب فيهم وبين مركزية الأمر، ثم هل يعرف الناس من يحدّد لهم العنوان الذي يهمّهم؟ وهل يحظى بالثقة الكافية؟ ثم هل الأمر يقوم على اجتهاد جماعي وفريق عمل أم أنه قرار فرديّ يلزم آلاف الأئمة؟ ما شعور الإمام وهو يلتزم قرارا فرديّا؟ وما شعور الناس وهم يرون أن العنوان قد نزل على إمامهم بالبرشوت، وهو ملزم فيه دون أن يكون له هامش في الاختيار أو التبديل؟ لا يمكن للإمام أن يبدع دون أن يتوفّر له حيّز واسع من الحريّة، إذ إنّ الحرية والإبداع صنوان لا يفترقان. 

ولا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أن المساجد ودورها يأتي في سياق مشتبك مع الاحتلال وقد شهدت بدور ثوري يحرّك إرادة الناس في الصمود ومواجهة المحتلّ ورفضه ومقاومة سياساته وكلّ إجراءاته في تقويض دعائم المواجهة وزرع قابلية الاستعمار وتكريس الهزيمة النفسية، فالإمام دوره مميّز في هذا السياق وأي خروج عن هذا السياق هو تدمير لدور المسجد وعملية تخدير وتنويم للمشاعر الثورية وروح المقاومة عند الناس، فيضحي خادما للمحتلّ إن وضع نفسه ومسجده في سياق غير هذا السياق من حيث لا يحتسب.  

ولا بدّ من الأخذ في الحسبان كحجر أساس في الموضوع، الاهتمام الكافي بالأئمة بما يتناسب مع مكانتهم ودورهم، يبدأ الأمر بالراتب وتحسين أوضاعه المعيشية بما يجعله لا يضطر إلى عمل آخر ويتفرّغ لمهامه في المسجد، وكذلك اختيار الأئمة قائم على الكفاءة لا على الولاء لذلك نجد من ينتمي إلى التيار السلفي يحظى بالقبول والترحاب والتعيين السريع لماذا؟ لأنه بكلّ بساطة يكرّس الطاعة لأولي الأمر مهما كانوا على حساب التغيير الحقيقي الذي قد يتعارض كثيرا مع سياسات السلطات القائمة. 

خلاصة الأمر خطبة الجمعة ودور الإمام في تقديم ما هو مطلوب أمانة عظيمة تتطلّب التغذية الراجعة والتقييم والنقد الواضح الموضوعي الصريح من أجل الارتقاء والوصول إلى أن تأخذ الخطبة دورها المهم كاملًا وأن تستغلّ هذه الفرصة الثمينة بشكل ناجح لتؤتي أكلها على أكمل وجه ممكن. 

نريد لخطبة الجمعة أن تكون فرصة للتثوير والإصلاح والتغيير، وألا تكون للقيلولة والتنويم.