سكانه بين ناري الاحتلال وتنصل السلطة من المسؤولية

تقرير "حي الخلايلة".. سجن صغير يُحرم أهله من العلاقات الاجتماعية

...
مشهد لحي الخلايلة
القدس المحتلة-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

منذ نعومة أظفارها والشابة رؤى أبو رباح تعاني صعوبة التنقل من وإلى حيِّها الذي حوله الاحتلال الإسرائيلي لسجن صغير، ما جعل استكمال المسيرة الدراسية أمرًا مرهقًا لها ولجميع أبناء الحي، كون الحي لا يوجد فيه أي مؤسسات تعليمية، ويُضطرون لقطع مسافات طويلة لاجتياز الحاجز الإسرائيلي العسكري الذي يفصلهم عن صنوف الحياة في الخارج.

وليس أمام رؤى وغيرها من سكان حي الخلايلة سوى التأقلم مع الحياة الصعبة التي تفرضها إجراءات الاحتلال بحقهم، "لكن وإنْ تأقلمنا على صعوبة التنقل نوعًا ما، ما زالت تلك المشكلة تنغص حياتنا وتجعل أي مشوار لنا همًّا يثقل كاهلنا"، تبين أبو رباح.

 فمنذ التحاقها بالروضة فإنّ رؤى كانت تستيقظ باكرًا وقبل ميعاد الدوام بكثير لكي تلتحق بالحافلات التي تُقل طلاب الرياض والمدارس للحاجز الإسرائيلي ومن هناك لمؤسساتهم التعليمية، وهكذا استمرّ الحال طوال اثني عشر عامًا من الدراسة في المدارس.

واستدركت بالقول: "لكنّ الأمر اختلف منذ التحقتُ بالجامعة (تدرس التمريض) فليس هناك موعد محدد لبدء ونهاية الدراسة يوميًا ما زاد من حياتي تعقيدًا، فإذا كان موعد محاضراتي متوافقًا مع مواعيد حافلات المدارس فإنني أستيقظ باكرًا لتقلني للحاجز ومن هناك أستقل سيارة أجرة للذهاب للجامعة الموجودة في مدينة بيت لحم".

وإذا ما توافقت مواعيد محاضراتها مع مواعيد عمل والدها فإنه يقلها بسيارته الخاصة للحاجز، "تبقى المشكلة في الأيام الأخرى إذ اُضطر للسير لمدة نصف ساعة في حر الصيف وبرد الشتاء للوصول للحاجز"، تشرح أبو رباح.

ولا تقف المشكلة عند هذا الحد بل إن الوصول للحاجز لا يعني بالضرورة المرور منه فالأمر يخضع لـ"مزاج جنود الاحتلال" هناك، ما يتسبب في الكثير من العقبات لـ"رؤى" التي تُضطر رغمًا عنها للتغيب أحيانًا عن محاضرات أو مواعيد تدريب عملي في جامعتها رغم أن المدة التي تستغرقها للوصول للجامعة من الحاجز ربع ساعة فقط!

وبجانب ذلك فإن رؤى محرومة كبقية أهل الحي جميعًا من أي علاقات اجتماعية، "فلا يمكن أن تأتي صديقاتي لزيارتي لتخوفهن من المرور عبر الحاجز، ولا يمكننا أن نعقد أي حفلات هنا، ونضطر لعقدها بالخارج، لم يعد يأتينا ضيوف منذ مدَّة طويلة فالوصول لهنا مخاطرة".

ووفق رؤى فإن ذلك جزء من سلسلة معاناة، تُضاف لمنع البناء، وضعف المياه وأحيانًا انقطاعها لأيام الأمر الذي يجعل الحياة في الحي صعبة جدًّا في فصل الصيف.

بين نارين

بدوره، يلخص المواطن إسماعيل أبو رباح مشكلة الحي بأنهم "واقعين بين نارين، نار الاحتلال ونار السلطة"، فكلاهما يتنصل من المسؤولية عن الحي ما ينعكس سلبًا على السكان الذين أصبحوا محرومين من كل الخدمات الأساسية، فلا رياض أطفال ولا عيادات صحية ولا مواصلات ولا أي تطوير للطرق.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن "إخطارات الهدم" تنهال على رؤوس المواطنين لكون الأراضي تقع ضمن منطقة "ج"، فلا يسمح لهم بأي بناء جديد أو إضافة أو تطوير، كما تمنعهم سلطات الاحتلال من استصلاح أراضيهم وزراعتها.

ويشير أبو رباح إنهم في بداية عزل الحي كانوا يسمحون للأهالي برعاية أراضيهم في المواسم كموسم الزيتون ثم بدؤوا تدريجيًا بالتضييق عليهم فلا يصلون أراضيهم إلا بشق الأنفس.

ناهيك بتحكم الاحتلال في الدخول والخروج من البلدة عبر بوابة إلكترونية تربط الحي (التابع لقرية الجيب المقدسية) وقرية بني صموئيل المهاجرة بالضفة الغربية، "أسماؤنا مسجلة على المعبر ولدينا بطاقات نعبر من خلالها فلا يسمح لأي أحد من خارج القرية أنْ يدخل لها سوى بتنسيق مسبق"، يبين أبو رباح.

وهذا السجن الذي يعيش فيه أهل الحي حرمهم من امتدادهم الاجتماعي مع عائلاتهم في الخارج حيث لم يعد الزائرون يطرقون أبواب منازلهم إلا ما ندر، ويضطرون لإحياء مناسباتهم السعيدة وحتى الحزينة خارجه.

ويُحرم أهل الحي من دخول القدس المحتلة بعد أن أصبحوا خارجها بفعل "جدار الفصل العنصري"، فيعتمدون في حياتهم اليومية على التسوق من مدينة رام الله، "لكننا رغم كل الظروف الصعبة لن نترك أرضنا مهما كان الثمن".

أصل التسمية

فعلى مساحة مئتي دونم تقريبًا يتربع حي الخلايلة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، ويعد أحد الأحياء المهمشة ويفتقر إلى مستلزمات الحياة الضرورية التي يحتاج إليها كل إنسان ليعيش حياة كريمة. 

وبدأت معاناة حي الخلايلة أحد أحياء قرية الجيب بالظهور جليًّا، بالتزامن مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، إذ عزله الاحتلال عن مدينة القدس والقرى المحيطة به، وأغلق الشوارع الواصلة بينه وبين المدن والقرى المحيطة، ثم أقام الجدار عام 2003 حول الحي ففصله عن قرى غرب القدس ومنع سكانه من الخروج منه باتجاه مدينة القدس، لأن ثلثيهم من حملة هوية السلطة الفلسطينية.

وسمي بهذا الاسم نظرًا لأن أول من سكنه مسن من عائلة فراح التي تعد إحدى عائلات مدينة الخليل، فأخذ يشتري هذا الحاج أراضي من قرية الجيب ويبيعها لأقاربه وأصحابه فأطلق على المنطقة حي الخلايلة.

ويعد الاحتلال الحي منطقة إستراتيجية مهمة لكونه يتوسط أربع مستوطنات مقامة على جهاته الأربع، ولمنع الامتداد السكاني بالحي امتنع الاحتلال عن إصدار رخص بناء للسكان منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم أخذ يضرب بيد من حديد كل من يبني بيتًا جديدًا.