حماس تتقدم في استطلاعات الرأي.. الأسباب والدلالات

كان لافتًا في استطلاع الرأي الأخير للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله تصاعد شعبية حركة حماس مقارنة باستطلاعات الرأي السابقة، إذ أثبت الاستطلاع أنها القوة الشعبية الأولى في أي انتخابات قادمة، فما الأسباب الذي جعلت حماس تحافظ على هذه المكانة في أعين الجمهور الفلسطيني، رغم ما تعرضت له من تشويه وهجوم وحصار وتشديد وعدوان، استهدف الجماهير الفلسطينية بهدف كسر إرادتها، وإقناعها أن اختيار هذه الحركة في أي انتخابات يُكبّدها كلفة عالية.

وأهم الأسباب في تقديري هي توافق حركة حماس مع قناعات جزء كبير من الشعب الفلسطيني، إذ أعلنت الحركة دائما تمسكها بخيار المقاومة، وأعطت نموذجا مميزا في هذا الميدان ليس على سبيل التأييد والإسناد والتبني فحسب، بل في جانب الفعل العملي، إذ كان فعلها المقاوم مميزًا ومتفوقًا، وحقق نجاحًا كبيرًا، سواء من ناحية قدرة الحركة على الصمود في وجه العدوان الصهيوني، أو من ناحية تطوير قدراتها العسكرية، خاصة بعدما ظهر في معركة سيف القدس، كما أنها امتلكت قدرًا كبيرًا من التحدي والجرأة والمبادرة، عزّز من أسهم حضورها في الوجدان الفلسطيني.

ولقد بيّن الاستطلاع أيضا أن غالبية الفلسطينيين تؤيد خيار المقاومة، إذ أكد 55% منهم تأييدهم العودة للمواجهات والانتفاضة المسلحة، وأيد 59% العمليات البطولية الفردية التي جرت خلال الفترة الفائتة، وهو ما توافق مع ما أعلنته حماس، وساندتها إعلاميًّا، بل دعت إليه صراحة، كما جاء في الخطاب الأخير لقائدها في قطاع غزة يحيى السنوار.

كما أن الخيارات السياسية للحركة تتوافق مع اختيارات الفلسطينيين ورغبتهم، فلقد رفضت الحركة دائمًا خيار التسوية مع الاحتلال، ومسار أوسلو، ورفضت الاعتراف بالكيان الصهيوني، ورأت أن العلاقة معه محصورة دائمًا في المواجهة، والعمل المقاوم، حتى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وهو ما أثبت الاستطلاع أيضا أنه يمثل قناعات الفلسطينيين، إذ رفضت غالبيتهم العظمى وجود الاحتلال على فلسطين أو جزء منها، سواء عبر حل الدولتين، أو الدولة الواحدة، كما رفض 69% العودة لخيار التسوية، وأكدوا رفض العودة للحوار مع واشنطن، وقال 70% إن حل الدولتين غير ممكن، بسبب تغول الاستيطان.

كذلك من الأسباب مطالبة الحركة بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني، وهو ما رفضه محمود عباس عندما قام بإلغاء الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذ طالب 71% بضرورة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وهو ما تصر السلطة على رفضه، وتتجاوزه عبر سياسة التعيينات، فلقد عبّر 61% عن رفضهم لقرار تعيين حسين الشيخ في منصب أمين سر المنظمة، وقال 57% أنهم ضد قرار عباس بنقل المسؤولية عن الأمانة العامة للمجلس التشريعي لرئيس المجلس الوطني في منظمة التحرير.

وكل ما سبق يدلل على فشل مختلف إجراءات الاحتلال وحلفائه الإقليميين والدوليين في مواجهة حماس، فرغم الحصار المشدد على قطاع غزة إلا أن استطلاع الرأي يبين أن نسبة تأييد المقاومة في قطاع غزة مرتفعة جدا، حتى مقارنة بالمناطق الفلسطينية الأخرى التي لم تخضع لمثل تلك الإجراءات، إذ تحصل قائمة حماس للانتخابات التشريعية في قطاع غزة على 43% على حين تحصل القائمة التالية على 32%، وربما زاد من نسبة هذا التأييد أن الحصار لم ينجح في كسر إرادة المقاومة لدى حماس، ولم ينجح في إفشالها.

ومن الواضح أن الجماهير الفلسطينية لم تضع مسؤولية المشكلات الحياتية الناتجة عن هذه الإجراءات العدوانية على عاتق حركة حماس، وهو ما ظهر في تأييد الفلسطينيين لحماس رغم أن الاستطلاع بيّن أن الأوضاع الحياتية لهم قاسية، إذ بلغت نسبة التقييم الإيجابي لأوضاع قطاع غزة 8% فقط، وفي الضفة 26%، وهو ما يعبّر عن مشكلة كبيرة تستوجب تركيزًا كبيرًا على سبل حل وتفكيك الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الفلسطينيون.

كذلك يدلل هذا الاستطلاع على فشل إجراءات السلطة العقابية بحق قطاع غزة، والذي استهدف تحطيم الحاضنة الشعبية للحركة، وفشل كل محاولات التشويه الإعلامي المكثف الذي مارسته ضدها، فلا يكفي أن تشوه خصمك، وإنما يجب أن تعطي مثالًا إيجابيًا، وهو ما فشلت فيه السلطة، عبر وقوعها في أخطاء جسيمة، وإخفاقات واسعة.

وكل هذا يؤكد أن المسار الحالي سواء للاحتلال وحلفائه أو السلطة خاطئ، ولن يؤدي لإزالة حماس، أو تحطيمها، فما لم تفعله السنوات الخمس عشرة الفائتة عبر الحصار الذي وصفته أوتشا قبل أيام بالكارثي، لن تفعله أي إجراءات أخرى مشابهة خلال السنوات القادمة، وما لم تقدر عليه أربعة حروب سابقة لن تقدر عليه أي مخططات عدوانية قادمة، وإذا واصلت الأفعال نفسها ستواصل الحصول على النتائج نفسها، ومن ثم لا بد من التغيير، ويبدأ هذا التغيير بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه، وطرد الاحتلال.

ذلك أن حماس تمثّل للشعب الفلسطيني حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، وهي تطور طبيعي لمسيرة المقاومة التي بدأها الفلسطينيون منذ الاحتلال البريطاني عام 1917م، ولو افترضنا أنها تخلت عن واجباتها الوطنية المقاومة، أو تم إزالتها لأي سبب، فإن الشعب الفلسطيني سيفرز تلقائيًّا قوى أخرى تحمل القناعات نفسها، والاستراتيجيات نفسها، ولن يرضى عن نفسه إلا بوجود حركة مقاومة قوية قادرة على مقارعة هذا العدو، والوقوف في وجهه حتى زواله، وهو في سبيل ذلك مستعد لتحمل كثير من الأثمان، لأنه يدافع عن جوهر وجوده المادي والمعنوي، قبل أن يدافع عن قطعة أرض ثمينة ومقدسة.