بالصور من الزوائد الحديدية يصنع "فاخر" قطعًا فنية لها من اسمه نصيب

...
فاخر حمد يستعرض بعض منجزاته
غزة/ هدى الدلو:

قطع صغيرة من بقايا زوائد الحديد المستخدم في ورشته، ووقت يسرقه من ضغط العمل في ساعات النهار يمارس "فاخر حمد" موهبته في صناعة القطع والتحف الفنية.

دون أن يسمع ضجيج المطرقة وأدوات الحدادة يعمل فاخر (35 عامًا) على إعادة تدوير الحديد المستخرج من المباني التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه الأخير على غزة ليصنع منها منحوتات وتحفًا فنية وهندسية مميزة.

وفي داخل ورشته الخاصة لا يقتصر عمل الشاب الذي فقد سمعه في إثر حادث تعرض له في صغره، على تصنيع التحف الفنية فقط، بل يقوم أيضًا بتصنيع كل ما يتعلق بأعمال الحدادة بكل فنياتها وتفاصيلها بالحديد الجديد غير المستخدم، ولكن تعلقه بهذه الحرفة دفعه لإضافة فن آخر إلى قائمة أعماله وهي تدوير الحديد المستخرج من البناء، والزوائد المتبقية من بعد عملية التصنيع.

زوائد حديدية (5).JPG
 

بلغة الإشارة وقراءة الشفاه، أفاد فاخر بأن الإعاقة السمعية حدثت بعد سقوطه من علو قبل أن يتجاوز سن السادسة، وفقد على إثر الحادث الذاكرة ونعمة السمع.

تعلم بالملاحظة

يقول بلسان ثقيل وكلام غير مفهوم أوضحه أحد العاملين لديه الذي بات يفهمه من حركاته ونظراته: "على إثر الحادثة التي مررت بها فقدت الذاكرة ودخلت في غيبوبة لمدة ستة أشهر، وتنقلت بين مستشفيات غزة والداخل المحتل لتلقي العلاج، حتى استطاع الأطباء استعادة ذاكرتي دون سمعي".

حمد منذ أن كان في الصف الأول الابتدائي بات يرافق والده في ورشة الحدادة الخاصة به، فقد تعلم حرفة الحدادة وأسرارها.

ويضيف: "دقة الملاحظة هي من ساعدتني على إتقان هذه المهنة، فقد كنت أراقب حركات والدي داخل الورشة، فلم يعلمني إلا كيفية الإمساك بماكينة اللحام، وترك لي باقي الأمر".

حاول تجاوز إعاقته بتركيب سماعات طبية لكنه لم يستطِع تحملها بسبب الضغط الذي سببته له في رأسه، فألحق بمدرسة خاصة لتأهيل ذوي الإعاقة، وتركها وهو بالصف السادس إذ لم يرغب بمواصلة تعليمه.

زوائد حديدية (4).JPG
 

وبعزيمة وإصرار يسطر قصة نجاحه في إعادة تدوير الحديد وعمل تحف فنية ومجسمات صغيرة لدراجة نارية بكل تفاصيلها الدقيقة، إذ يعطي لنفسه وقتًا مستقطعًا في الـ12 ساعة من العمل تمتد من الساعة السابعة صباحًا حتى السابعة مساءً لممارسة موهبته الفنية التشكيلية، "كأي فنان أمارس موهبتي، ولكن بدلًا من أن أرسم ما يحلو لي على ورق، أجسده بمجسمات حديدية".

ويتابع حديثه: "هذه القطع الفنية لا تحتاج إلى كميات كبيرة من الحديد بقدر حاجتها للوقت والجهد والدقة في العمل".

يكمل حديثه وهو يوجه أصابعه نحو الدراجة النارية، بأن صناعتها استغرقت 20 يومًا من العمل المتواصل.

إبداع بالخيال

ولا يعتمد حمد على شيء في اختياره للأفكار، ففي أثناء انشغاله في العمل قد تخطر بباله فكرة ويعكف على تطبيقها، فلديه مجسم حديدي لشجرة، وعمود كهرباء، وسيارة وسيف وطاووس، وجيتار وغيرها، وينشر صورها على صفحة الفيسبوك الخاصة بالورشة ويتواصل معه من القطاع ومدن الضفة الغربية ليعبروا عن إعجابهم بصنيعه.

تمكنه من القراءة والكتابة سهل عليه التواصل مع الزبائن إلكترونيًّا عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي وجد فيها وسيلة بديلة عن التواصل الوجاهي الذي يستصعبه وزواره على بعضهم بعضًا. 

ويرفض فاخر في الوقت الحالي بيع القطع الفنية التي أنتجها، إذ يريد الاحتفاظ بها كعينات تسويقية لجلب الزبائن، مشيرًا إلى أن غالبية من يقبلون على شرائها لا يقدرون ثمنها، فمثلًا الدراجة النارية تبلغ تكلفتها 1000 شيقل.

زوائد حديدية (3).JPG
 

ويذكر حمد أن سوء الوضع الاقتصادي هو ما يمنعه من شق طريقه الفني إلى جانب أنه يحتاج إلى وقت وجهد وتركيز.

وبعد حرب 2014 انقطع عن ممارسة موهبته بسبب قصف إسرائيلي لورشته وبيته في بيت حانون، وقدرت خسارته وفق وزارة الاقتصاد بـ22 ألف دولار، ولم يعوض إلا بـ4 آلاف دولار تسلمها على مراحل متفاوتة، اضطر إلى الاستدانة ليتمكن من الوقوف على قدميه.

ويتمنى حمد أن يتمكن من توسيع مشروعه، وينتج تحفًا فنية بصورة أكبر ليتمكن من بيعها وطرحها في الأسواق المحلية وتصديرها إلى مدن الضفة.

زوائد حديدية (1).JPG