استقبلته بـ"بيت العمر"

تقرير رمزي أبو ريدة يتذوق "حلاوة الحرية".. وخطيبته تطوي مرارة انتظاره 10 أعوام

...
الأسير المحرر رمزي أبو ريدة
خان يونس/ يحيى اليعقوبي:

تجمد الوقت وكأنَّه توقف عن الحركة والدوران وهي تودع ليالي الانتظار المرَّة، كانت لهفة الشوق تزيحُ ستائر النوم عن عينيها، منتظرةً إطلالة شمس الصباح، وإشراقة وجه خطيبها الأسير رمزي أبو ريدة (35 عامًا)، تستعد "سمية" وبعد انتظار دام عشر سنوات لطي مرارة شوق ولهفة انتظار استمرت عقدًا من الزمن في صفحات وقصص الصبر.

أقامت لخطيبها بيتًا في قلبها يؤنس وحدته خلف قضبان الاحتلال كما بنت له "بيت العمر" الذي استقبلته فيه.

صباح الإثنين، ارتدت سمية أبو ريدة التي تسكن شرق محافظة خانيونس طوق الياسمين ولفت الورود رأسها، وثوبًا فلسطينيًا أبيض تكسر بياضه أشكال وورود حمراء تعبر عن الأصالة والهوية الفلسطينية تغطي ملامحها كل ألوان الفرح، أمسكتْ هاتفها تنتظر ما ينزل السكينة على قلبها في أثناء مرور "رمزي" على حاجز بيت حانون شمال القطاع، فلم ترتخِ نبضاتها على وسادة الاطمئنان إلا عندما قال لها المتصل: "هينا استلمنا رمزي!"، ذرفت دموع الفرح، فقد أصبحت تفصلهما مسافة الطريق.

كلمات أدخلت الطمأنينة إلى قلبها ما إن وطئت قدماه أرض غزة، زفرت معها هواجس واحتمالات كثيرة اجتاحتها مدركةً أنه لا أمان لدى الاحتلال، فقصص الأسرى الذين مددت محكوميتهم ونغص فرحة ذويهم كثيرة، كانت تخشى أن تنغص فرحتها أيضًا: "فالمولى وحده يعلم كيف مرت سنوات الانتظار العشر"، حتى خار صبرها أمام لوعة الشوق لأنها هيأت نفسها لاستقبال رمزي في 27 يونيو/ حزيران وليس أي يوم بعده.

"رمزي" الذي أسره الاحتلال في نفس تاريخ تحرره عام 2007 على يد قوات خاصة في أثناء رباطه شرق خانيونس، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، استبدل ملابسه على الحاجز وارتدى بزة عسكريةً، وكأنه "يبعث برسالة أن الجراح التي أثخنته طوال أسره لم تبعده عن ساحة المعركة".

تابعت "سمية" أخبار سير الموكب لحظة بلحظة بينما تقف على عتبات باب المنزل، تلتف حولها النسوة والأقارب والجيران، تقيم عائلة أبو ريدة مراسم استقبال لبطلها القادم من سجون الاحتلال حتى أطلَّ الفارس وترجل عن ظهر المركبة، لكن لهفة "سمية" وشوقها كان أكبر من انتظار دورها بين طابور المهنئين فتقدمت الصفوف وغابت في عناق طويل لخطيبها.

"أقل واجب!"

تصل إليك أصوات أهازيج الفرح التي تصدح بها السماعات داخل منزلها، تبدأ "سمية" حديثها لصحيفة "فلسطين" من لحظة قرار الانتظار في الخطبة التي عقدت مراسمها في 21 مارس/ آذار 2012 بعدما روت تفاصيل مشاهد الانتظار السابقة..

 "بعد خمس سنوات من أسر رمزي، وفي أثناء وجود شقيقي أشرف أبو ريدة معه بالأسر، عرض عليَّ الخطبة، ولم أتردد في الموافقة وهذا أقل شيء أقدمه لرمزي، فالأسير يحتاجُ إلى من يسانده، ويكون في أسعد لحظة بأن يخطب فتاةً تتواصل معه وتؤنس وحدته". 

انتظاره هو "شيء بسيط جدًّا" في نظرها، أمام التضحية التي قدمها خطيبها بتحمل مرارة السجن خمسة عشر عامًا قضمتها القضبان من زهرة شبابه.

طوال الأسر كانت الزيارة، أجمل شيء في حياة الخطيبين، رغم أن الزيارات كانت متباعدة نتيجة القيود وتضييق الاحتلال على أسرى قطاع غزة وحرمان عائلاتهم منها، فلم تزِد زياراتها له على 20 مرة على مدار 10 سنوات، أي أنها استطاعت زيارته مرتين في كل عام لا تكفيان لإطفاء ظمأ شوقها.

تختار أجمل زيارة، وفي صوتها ألف فرحٍ متخفٍّ بين نبراتها: "الزيارة الأولى هي الأجمل، كانت مليئة بالشوق والحنين له، يومها لم أنم الليلة تمامًا كما لم أنم ليلة انتظاره محررًا، أتساءل في داخلي، عن ملامحه وكيف سأعثر عليه لأني لم أدخل السجن قبل ذلك؟ حتى وصلنا وسرت بين الناس ورأيت الأهالي يجلسون أمام أبنائهم ويفصل بينهم عازل زجاجي، لم أنسَ ملامح الفرح التي رسمت على وجهه ثم بدأنا نتحدث خمسًا وأربعين دقيقة عبر الهاتف انتهت بلمح البصر".

اعتبرت "سمية" أن خطيبها في سفر، موقنة أن "مصير الغائب هي العودة عند انتهاء الحكم" رغم إدراكها مرارة الواقع، فهناك حالات انتظار مشابهة عاد فيها الأسير محمولًا على الأكتاف من سجون الاحتلال كحال "غادة" خطيبة الأسير سامي العمور الذي استشهد في سجون الاحتلال قبل عدة أشهر، لكنها ربطت جرحها وصبرت.

"بيت العمر!"

لم ينقطع التواصل بين الخطيبين، اجتازا كل قيود الاحتلال في كل مرة يستطيع فيها رمزي الاتصال بعيدًا عن عيون السجانين، وهنا كان يشاركها في بناء بيتهما وهو في الأسر: "اشتريت أرضًا وبنيت عليها بيتًا، كنت أتحدث معه عن كل صغيرة وكبيرة، بدءًا من لحظة وضع الأساسات والقواعد، ثم تشطيب المنزل وألوان الدهان، وتشاركنا في اختيار الأثاث وألوان كراسي استقبال الضيوف".

ما زال الفرح يرافق صوتها، بلهجة عامية: "الحمد للمولى فرحانين بوجوده بينا، والفرحة مش وسعانة بفضل المولى، ما كنتش ضعيفة، ضليت صامدة صابرة، وأنا بتشرف أكون زوجة أسير محرر وبكون رافعة راسي بهذا اللقب".

تعيد التأكيد أن ما قدمته "أقل شيء وهي ليست النموذج الأول، فهناك نماذج كثيرة لفتيات ينتظرن أحكامًا مؤبدة كغفران زامل خطيبة الأسير حسن سلامة".

لا تصدق أن صبرها انتهى وأنها أخيرًا طوته، "كنت أحسب الشهر الأخير بالدقيقة، كنت في لهفة لينتهي هذا الشهر، انتظارٌ صعب جدًّا عشته، وأجمل لحظة عندما قالوا لي: استلمنا رمزي، صليت ركعتين شكرا وحمدا للمولى، فاعتبرته حرًا من هذه اللحظة وليس من لحظة خروجه من السجن".

أفواج المهنئين التي لم تهدأ ولم يفرغ البيت منها عاقت حديثنا مع المحرر رمزي أبو ريدة، لكنه خص صحيفة "فلسطين" ببعض الوقت، وهو يستعد لدخول قفص الزوجية اليوم السبت، يزيح الستار عن آخر أيامه في السجن وفي صوته فرحة مكسورة على حال الأسرى.

وختم: "في آخر أربعة أيام نظم الأسرى في سجن النقب احتفالًا لي وللأسير مصعب أبو شخيدم من الخليل بتحررنا داخل القسم، ثم نقلت لسجن عسقلان.. لا أبالغ إن قلت إنني لم أنم في الأيام الأربعة من سعادة الشعور بالحرية رغم أنها سعادة منقوصة لوجود أسرى عشت معهم سنوات طويلة وهم يترقبون هذه اللحظة"، متأملًا أن يُفرج عنهم في صفقة تبادل قريبة، وأن ينالوا الحرية التي نالها.