صحيفة "فلسطين" تكشف: نحو 50 ضحية لفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت التعذيب والرصاص

تقرير بالقتل والتعذيب.. السلطة تغلق الحساب مع المعارضين

...
رام الله- غزة/ يحيى اليعقوبي:

رحال: لم يحصل في تاريخ السلطة أن قدّمت أشخاصًا لمحاكمة علنية

عساف: تسعى لتقديم نماذج قمعية تحول دون تعزيز نهج المعارضة

زوجة "بنات": السلطة تعمل على تسويف القضية والاعتماد على مرور الزمن لطيها 

عشرات حالات القتل تحت التعذيب طُمست، بعضها طواها الزمن ووُضعت في أدراج النسيان، ولم يسمح للقضاء بفتحها، ولم تتحقق العدالة في محاسبة مرتكبي الجرائم، ومنذ ذلك الوقت لا تزال عائلات الضحايا تبحث عن العدالة المفقودة، بينما تستمر السلطة في إغلاق ملف تلو الآخر، وتنتهج نفس الأسلوب القمعي في التعذيب وإقصاء المعارضين وتوفير الغطاء لمرتكبي الجرائم.

وغداة حلول الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الناشط السياسي نزار بنات أفرجت "المحكمة العسكرية" التابعة للسلطة بكفالة عن المتهمين الأربعة عشرة في قضية اغتياله.

ولا تستغرب جيهان سرور زوجة المغدور بنات القرار، وقالت: إن "المحكمة أفرجت عن المتهمين يوم عيد الفطر وجعلتهم يحتفلون به مع أبنائهم، بينما ذهبت أنا وأبنائي لاستقبال العيد على قبر نزار".

اغتيال الناشط بنات في 24 يونيو/ حزيران 2021، كان من أكثر الجرائم دمويةً حينما اقتحم أفراد عناصر الأمن المنزل الذي كان يتواجد فيه وقاموا بضربه بعتلات حديدية وأعقاب المسدسات وسحله وتفريغ غاز الفلفل في فمه، ما أدى لمقتله، ورغم وضوح كل الأدلة التي جمعتها العائلات من وثائق وفيديوهات تؤكد تورط هؤلاء المتهمين بالجريمة التي صدر قرارها من مكتب رئيس السلطة محمود عباس وقيادات أمنية وسياسية عليا، إلا أن القضاء العسكري لا زال يماطل في القضية منذ عام.

اعتداء ضد مجهول!

تقول زوجة بنات لصحيفة "فلسطين": "قبل اغتياله قاموا بإطلاق النار علينا وكنت أتواجد مع أطفالي، لكن السلطة قيد الاعتداء "ضد مجهول"، وكان تمهيدًا لاغتيال نزار، ولو كان هناك عدالة لحدثت إجراءات، لكنهم ماطلوا، وكما قال نزار: لا تذهبوا للشرطة ولا لأطباء شرعيين لأنه لا يوجد قضاء ومحاكمة عادلة، ولم يمضِ أكثر من شهرين حتى جرى اغتياله".

عدم إنصاف قضية نزار بالنسبة لزوجته، شيء طبيعي وغير مستغرب من السلطة، ولكنه دليل أن الاغتيال سياسي وليس محض صدفة، مشيرة، إلى أن السلطة حاولت بشتى الطرق حل القضية عشائريًا وبعيدًا عن القانون، لكن العائلة رفضت "لأن قضية نزار لكل الشعب الفلسطيني الذي نزل للشوارع لأجله، فهل يستطيعون دفع دية لكل الشعب!؟" تتساءل زوجته.

جمعت العائلة، كما تقول سرور، كل الأدلة من تصوير ووثائق وفيديوهات لعملية الاغتيال، ولكن السلطة تحاول المماطلة بالاعتماد على شهود زور، الهدف من جلبهم تسويف القضية والاعتماد على مرور الزمن كي ينساها الناس.

في الذكرى الأولى لرحيل نزار، تفتقد جيهان وأطفالها زوجها صوته الحر، في حين لم يزد عمر طفلته ماريا عن شهرين والآن تجاوزت العام، ويؤرقها كيف ستكبر هذه الطفلة على فقد والدها، بينما تخوض قبس امتحانات الثانوية العامة، ولا تعرف كيف سيفرحون دون والدهم.

سجل أسود

أحصت صحيفة "فلسطين" قتل السلطة 22 مواطنًا في إثر التعذيب داخل سجون السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة ما بين (1994 -1999)، كانت أولى حالات القتل التي افتتحت السلطة سجلها الأسود بقتل المواطن فريد جربوع (28 سنة)، حيث توفي في أحد سجون المخابرات، وفي نهاية التسعينات قتل المواطن إبراهيم محمد الشيخ سنيريا، من طولكرم (65 عامًا)، على يد جهاز الأمن الوقائي.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى سنة 2000، استمرت السلطة في نهجها في قتل المعارضين، ومنذ 22 عامًا، ارتكبت السلطة 28 جريمة قتل معظمها داخل سجونها، كان من أبرزها، بعد أحداث الانقسام حيث اختطفت خمسة من كوادر حماس وتعذيبهم حتى الموت، وهم مجد البرغوثي، ومحمد الحاج، وهيثم عمرو، وكمال أبو طعيمة، وفادي حمادنة، وأغلقت ملفاتهم حتى اليوم.

في 2016 قتل أحمد حلاوة "أبو العز" في سجن الجنيد، وضياء عرايشة في سجن الوقائي بنابلس بالعام ذاته، وبعد عام عثر على جثة المُدرسة نيفين عواودة (36 عامًا) مقتولة أسفل البناية السكنية التي تقطنها في بيرزيت بمحافظة رام الله، وعام 2018 قتل الشاب أحمد الدلحي برصاص أمن السلطة شرق نابلس أما إيمان الرزة، مهندسة كيميائية، وجدتها عائلتها مشنوقة في شقتها بمدينة البيرة نهاية مارس من العام ذاته، وقتل الشاب عودة حسن الجهالين (24 عاما) برصاصة في الرأس، أطلقها عناصر أمن السلطة بنفس العام.

 وفي عام 2019 قتل الشاب محمود الحملاوي (32 عاما) في سجن الأمن الوقائي في بيتونيا، وفي 12 آب/ أغسطس 2020 توفي المعتقل الفلسطيني أحمد ناجي أبو حمادة المُلقّب بـ"الزعبور" من جراء تعرضه للتعذيب بسجن أريحا.

يوليو 2020، شهد قتل أمين سر حركة "فتح" بمخيم بلاطة في المحافظة عماد الدين دويكات، وقبلها بشهر قتل الشاب علاء العموري على يد الأجهزة الامنية بلباس مدني في العيزرية بالقدس المحتلة.

وتسبب عناصر القوة الأمنية المشتركة بأريحا والتي تضم الأمن الوقائي، والوطني، والشرطة بالضفة في قتل الشاب أمير اللداوي في ديسمبر/ كانون أول 2021، ولم يسمع أحد بمقتل الشاب منذر رضا سرور (35 عامًا) من بلدة نعلين غرب رام الله، بعد إطلاق الأجهزة الأمنية النار عليه في 24 فبراير/ شباط 2022، أثناء محاولة طوي أيضًا ملف قتل المستشار القانوني للمالية العسكرية في الضفة المحتلة عكرمة مهنا في يوليو/ تموز 2021 داخل منزله في بلدة دير الغصون شمال محافظة طولكرم في الضفة الغربية. 

غياب المحاكمات

مدير مركز شمس لحقوق الإنسان، عمر رحال، يؤكد أنه لا يوجد محاكمات عادلة، وبالعادة تقوم السلطة بتشكيل لجان تحقيق في كل مرة ترتكب فيها أجهزتها الأمنية جرائم بحق المعتقلين تفضي إلى الموت بسبب التعذيب، وفي أحسن الأحوال يكون هناك توقيف لمدير أحد المراكز أو نقل أو بعدم ترقية، وفي معظم الجرائم لم يتم إعلان نتائج التحقيق ويجعل الملفات حبيسة الأدراج.

وقال رحال لصحيفة "فلسطين"، إنه لم يحصل في تاريخ السلطة أن قامت بتقديم أشخاص لمحاكمة علنية، ومعظم الحلول تتم بعيدًا عن القانون وبعضها بشكل عشائري يتم التكتم على تفاصيلها، وهذا ما يؤكده عدم محاكمة المجرمين أمام القضاء العسكري وعدم لجوء المواطنين للقضاء النظامي لرفع دعاوي قضائية ضد بعض السجون أو الأجهزة.

هذه الجرائم تشير إلى انتهاك الحق في الحياة وعدم احترام المعايير الدولية، وعدم احترام القانون وأن هناك تعذيبًا يفضي إلى القتل واستخدام القوة المفرطة تجاه المعتقلين والموقوفين الأمر الذي يؤدي للوفاة، ويؤكد عدم الالتزام بالقانون الأساسي ولا بالاتفاقيات الدولية.

ويعد التعذيب وإيذاء وقتل الأشخاص جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات الفلسطيني، ويجرمها وفقًا لنصوص مواده، وحظر القانون الأساسي الفلسطيني التعذيب، واعتبر كل قول أو اعتراف نتيجة التعذيب أو الإكراه باطلًا، وفق المادة (13).

ونصت المادة رقم (5) للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بأنه لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية، وحظرت اتفاقية مناهضة التعذيب التي انضمت اليها السلطة، في المادة رقم (2) التعذيب، ونصت على أن تتخذ كل دولة وطرق إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية لمنع أعمال التعذيب.

أسلوب متوارث

لكن التعذيب ليس وليدًا في سلوك السلطة فقمع المعارضين رافق قيادة منظمة التحرير في إقصاء معارضيها ومن يخالفها الرأي، فمن يتتبع تاريخ قيادة السلطة سيعرف أن عمليات قمع المعارضة رافقت الثورة الفلسطينية منذ ستينيات القرن الماضي.

وقال عساف لصحيفة "فلسطين": "هذا الوضع انتقل مع السلطة لدى تجسيدها على أرض الواقع حيث تعرض كل من يخالف الرأي للاعتقال أو الملاحقة أو التصفية وفي هذا السياق".

 يمكن استعراض كثير من الحالات، إذ لا يمكن حصر هذه الحالات منها محمود جميل من نابلس مجد البرغوثي من كوبر وانتهاء لنزار بنات في حين تعرض كثيرون للاعتداءات منهم عبد الستار قاسم وعبد الجواد صالح وعمر عساف ذاته، وبرزت خلال العام الماضي سلسلة من الاعتقالات والقمع آخرها ما حصل في جامعة النجاح خلال الأسبوع الماضي.

أما عن استخدام السلطة لهذا الأسلوب، فيعزو عساف ذلك لأنها سلطة شمولية اكتسبت خبرة وتجربة بعض الدول العربية في القمع ولأنها لا تقوم على تعزيز الحريات والحياة الديمقراطية بل على تعزيز دكتاتورية الفرد المعتمد على التغول الأمني والأجهزة الأمنية.

تسعى السلطة من وراء التعذيب لتقديم نماذج قمعية تحول دون تعزيز نهج المعارضة التي قد تهدد مصالحها وامتيازات أبناء المسؤولين وسطوتهم على مقدرات الشعب كما يمكنها أن تواجه نهجها السياسي في التفريط وتقديم التنازلات السياسية للاحتلال وردع كل من يطالب بالديمقراطية والحريات والانتخابات.

المصدر / فلسطين أون لاين