حلف بغداد والحلف العربي الإسرائيلي.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

بتاريخ 24 فبراير عام 1955م أُعلن حلفٌ يسمى "حلف بغداد" ضم في عضويته كلًّا من بريطانيا والعراق وتركيا وباكستان، وقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الأساسي له رغم عدم انضمامها رسميًّا، وكان الهدف المعلن لهذا الحلف هو الوقوف بوجه المد الشيوعي في الشرق الأوسط متمثلًا بالاتحاد السوفيتي في تلك الفترة التي شهدت حربًا باردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

كان عراب ذلك الحلف رئيس الوزراء العراقي إبان الحقبة الملكية نوري السعيد، وقد بذل نوري السعيد الذي كان يوصف برجل الغرب في العالم العربي جهوداً كبيرة في محاولة إقناع كل من مصر وسوريا وعدد من الدول العربية للانضمام للحلف، ولكن لم تجد محاولاته نفعاً فقد رفضت كل من سوريا ومصر والسعودية الانضمام لهذا الحلف لوجود قناعة راسخة في ذلك الوقت لدى العرب بأن الحظر الحقيقي على المنطقة يأتي من (إسرائيل)، ولذلك واجهت كل من مصر وسوريا والسعودية هذا الحلف الذي تفكك وسقط بعد فترة وجيزة من إنشائه خاصة بعد انسحاب العراق منه إثر الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الكريم قاسم ضد النظام الملكي في العراق، وقتل نوري السعيد في الأحداث المأساوية لهذا الانقلاب مع عدد من أفراد الأسرة المالكة.

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه هذه الأيام مع اختلاف بعض المسميات والأسباب والمواقع ولكن تبقى الفكرة واحدة وهي محاولة تسويق أن (إسرائيل) لا تشكل خطراً على المنطقة وأن الخطر تمثله جهات أو دول أخرى، وهذه الفكرة تحديداً هي ما يروج لها الحلف العربي الجديد "الحلف العربي الإسرائيلي" بأن (إسرائيل) ليست هي الخطر الذي يتهدد المنطقة وإنما من يشكل الخطر هي إيران أو محور المقاومة، كما زعم منظرو حلف بغداد في حقبة الخمسينات أن الاتحاد السوفيتي أو المد الشيوعي هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة وليس (إسرائيل)، الفارق بين الحقبتين أن حقبة الخمسينات كان المد القومي والوعي العربي سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي ناضحاً لحد بعيد جعل فكرة إنشاء حلف بغداد الذي يحاول اعتبار (إسرائيل) جسم طبيعي في المنطقة بمثابة العمل الخياني الذي يستهدف الأمة العربية هذا الوعي العربي أسقط الحلف وأسقط منظروه وكان سقوطهم مأساوياً.

اليوم يحاول منظرو الحلف العربي "الإسرائيلي" الترويج لفكرة أن محور المقاومة هو الخطر الحقيقي الذي يتهدد المنطقة وليست (إسرائيل)، ولم يكتف منظرو الحلف الجديد بالتنظير للفكرة بل جعلوا من (إسرائيل) عضواً أساسياً في هذا الحلف باعتبارها "مستهدفة" كما هم "مستهدفون" من محور المقاومة، ولذلك مهدوا لهذا الحلف بالتطبيع مع الكيان الصهيوني ومن ثم بدؤوا الخطوات العملية لإنشاء هذا الحلف العسكري الأمني السياسي والذي بدأ أولي نشاطاته بإنشاء محطات إنذار مبكر في بعض الدول الخليجية لضمان حماية متقدمة للكيان مما سمي بالحظر الإيراني، وهذا ما عبر عنه صراحة وزير حرب العدو غانتس الذي أعلن أن محطات الإنذار المبكر حمت (إسرائيل) من عمليات استهداف ايرانية.

لا شك أن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال تؤمن إيماناً راسخاً لا يتزعزع بأن (إسرائيل) هي العدو الأساسي والمركزي للأمة العربية وأن وجودها سيبقى وجوداً سرطانياً لا يشفى جسد الأمة العربية إلا باستئصاله، ولن يغني الحلف الجديد الذي مآله الفشل عن (إسرائيل) شيئاً، وسيسقط هذا الحلف كما سقط حلف بغداد لأنه يعاند إرادة الشعوب ويعاند ثوابت التاريخ.

الحلف العربي الإسرائيلي وحلف بغداد وقفت وراءهما الإدارة الأمريكية بهدف تأمين الحماية للكيان الصهيوني الذي يمثل الذراع الأمريكية في المنطقة في ظل تشابه شديد في ظروف نشأة الحلفين، فالاستقطاب العالمي بين روسيا والولايات المتحدة على أشده وأعاد بقوة الحرب الباردة بين القطبين إلى سالف عهدها بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، ومحور المقاومة يشابه إلى حد بعيد محور القومية العربية الذي كانت تمثله مصر وسوريا وتعاديه دول في المنطقة تحاول أن تتساوق مع السياسات الاستعمارية في المنطقة، وأظن جازماً أن مآل الحلف الجديد لن يختلف عن مآل الحلف القديم وقد يشهد الحلف الجديد نهايات مأساوية كما شهد الحلف القديم وفي التاريخ عبرة لمن يعتبر.