وماذا بعد أفول نجم القطب الواحد؟

قد يشرح الصدر حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حين يؤكد أن نظام القطب الواحد قد انتهى دون رجعة، ومصدر الفرح والسرور لهذا التصريح يكمن في قراءة المستقبل قياسًا بالماضي، فنحن الشعوب العربية، وبالتحديد الفلسطينيين؛ كنا ضحايا سياسة القطب الواحد، وما زلنا ضحايا التسلط الأمريكي والغربي على مقدرات العالم، فبعد الحرب العالمية الأولى، ومنذ سيطرة بريطانيا وفرنسا على المنطقة العربية، تم تقسيم الأرض العربية الموحدة إلى دويلات مشتتة، بعضها يحكمها الطغاة، وتدور في فلك الغزاة، يميزها الفساد والتخلف والتفرقة والصراعات الداخلية، والابتعاد عن ركب الحضارة والديمقراطية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ورثت أمريكا كل مناطق النفوذ التي كانت للدول الاستعمارية، التي صارت تدور في فلك أمريكا، ولها مصالحها، ولها نصيبها من الغنائم، وعلى البلاد العربية بالتحديد أن تقدم فرائض الولاء والطاعة لـ"الفتوة" الجديد، الذي امتلك القوة العسكرية، وكل مقومات السيطرة من موارد مالية، ووسائل إعلامية، ومؤسسات دولية تخدم المشروع الأمريكي في شرق الأرض وغربها.

ولما تزل دولة العدو الصهيوني هي المستفيد الأول من النظام العالمي الذي ساد منذ عشرات السنين، فالدعم السياسي الدولي في تصاعد لدولة العدوان، والمساعدات العسكرية والمالية والتكنولوجية لم تتوقف، بل ساعد النظام الدولي ذو القطب الواحد دولة العدو الصهيوني على تمرير مخططاتها العدوانية، وبسط هيمنتها على مساحات واسعة من البلاد العربية، بشكل تجاوز الأطماع الصهيونية من النيل إلى الفرات.

غروب شمس القطب الواحد تعني التعددية، أو التوازن في المواقف الدولية، وتعني تعارض المصالح، وتدخُّل أطراف دولية فاعلة تكبح جماح التسلط الأمريكي بشقه الاقتصادي والسياسي، وهذا مؤشر سيرتد سلبيًّا على نجاحات الصهاينة، الذين استثمروا سيطرة القطب الواحد، حتى صار خادمًا لأطماعهم، وطائعًا لمصالحهم. 

انهيار القطب الواحد سيرتد بشكل إيجابي على البلاد العربية، التي عانت من التدمير المباشر من جراء الحروب الأمريكية على لبنان والعراق وليبيا وسوريا، وعانت اقتصاديًّا من الاستعمار الأمريكي من جراء سرقة الأموال، ومصادرتها في البنوك الأمريكية، ومن ثم فرض العقوبات الاقتصادية، والحصار على الكثير من الدول العربية التي حاولت التمرد على القرار الأمريكي، لتعاني الشعوب العربية العزل والحصار وعملية تشويه مبرمج، جعلت من العرب أمة متخلفة، لا تصلح للديمقراطية، ولا تتناسب مع روح الحضارة.

دوام الحال من المحال، وسواء انتصرت روسيا، أو فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب في أوكرانيا، فإن المعطيات السياسية على الأرض تشير إلى أن الدنيا مقبلة على متغيرات كثيرة، أقلها، انتهاء الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، والذي ما انفك يصب ماله في الخزائن الإسرائيلية.